لا يمكن أن يكون هذا السبت عادياً.. هكذا كنت أصف غبطتي وأنا أتصفح صحيفة الأيام وخصوصا ملحقها الثقافي "رؤى" في عددها 7209 ليوم السبت الموافق 3/1/2009م، السادس من محرم 1430هـ، عندما وقعت عيني على خبر الشقيق جعفر العلوي المعنون بـ "(الثـقـافة والإعــلام) تنهــي إجراءات تـفريغ السعداوي.. قريباً".. وبعيداً عن النظرية النسبية وآراء آينشتاين في تعريفه بميزان الوقت لمفردة قريباً التي ذيلّت العنوان ، إلا أنني بسذاجة تامة أتخيلها بداية جيدة وجد متفائلة لاستقبال عام جديد.. كل المطالبات التي استمرت طوال 12 عام وأكثر لم تكن تطالب –في أضعف إيمانها- إلا بمن يسمع صدى كل هذه الأصوات التي ارتفعت مطالبة بتفريغ الأستاذ عبدالله السعداوي.. مجرد الاستماع لا أكثر.. وبعد كل هذه السنوات أن يأتيك أحدهم ليقول بأن هذا التفريغ قائم على قدم وساق وأنه على وشك الحصول، فهذا بالنسبة لي على الأقل لهو أكبر تقدير وهو انجاز عظيم.. دعوات المثقفين و"حملاتهم الإعلامية" خلال 2008 وما سبقها، تتحقق مع مطلع العام الجديد.. "الثـقـافة والإعــلام" تنهــي إجراءات تـفريغ السعداوي.. قريباً رؤى - جعفر العلوي: فقد علمت »رؤى« الأيام من مصادر مطلعة بمسرح الصواري أن وزيرة الثقافة والإعلام الشيخة مي بنت محمد آل خليفة وجهت لإنهاء إجراءات تفريغ الفنان المسرحي عبدالله السعداوي بعد أكثر من 12 عاماً من تقديم طلب التفريغ على طاولة قطاع الثقافة والتراث الوطني وبعد العديد من المناشدات التي رفعها مثقفون عبر الصحافة ووسائل الإعلام والمدونات الالكترونية. وخاض المثقفون خلال السنوات الأخيرة العديد من الحملات التي كانت تطالب بتفريغ السعداوي، أبرزها الحملة التي انطلقت مع مطلع العام الماضي. ونشرت »رؤى« الأيام ملفاً خاصاً رفع مطالبات المثقفين ومناشداتهم حول تفريغ السعداوي. كما دأبت حملة »مدوناتية« أطلقها الزميل حسين عبدعلي، على حشد المقالات والتدوينات التي تطالب بالتفريغ وتضمينها في مدونة خاصة أطلق عليها اسم »فرغوا السعداوي« وأطلقها منذ يوليو الماضي. بالإضافة إلى العديد من الملفات الصحفية التي أثيرت في العديد من الصحف المحلية واشتغال العديد من الكتاب في عدد من الصحف على دعم الجهود التي أطلقت من أجل التفريغ. وكانت قضية المطالبة بتفريغ السعداوي بدأت بعد فوزه بجائزة أفضل إخراج في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي في العام 1994 عن مسرحيته »الكمامة« ليبدأ بعدها مشوار المطالبة بالتفريغ الذي مر على أكثر من ٥ وزراء إعلام تعاقبوا على الوزارة طيلة هذه الفترة. 
احتاج »عراب التجريب« لأكثر من 12 عاماً، ليحجز له مكاناً آخراً غير مكانه الذي اعتاده. هذه المرة مكاناً لا يجاوز خشبة المسرح جيئة وذهاباً، ليلقي الفنان المسرحي عبدالله السعداوي أخيراً بثقل كل السنوات الماضية، وليستريح من عمله اليومي، وكذلك من مقالات المطالبة بتفريغه التي كانت تزعجه وتثير حفيظته دائماً.
بقلم: إيمان عباس عندما يكتب أو يتحدث أحد ما عن واقع المسرح البحريني، تجد هذه الكلمات هي العنوان الرئيسي: «المسرح البحريني في حاجة إلى من ينتشله من القاع... المسرح البحريني يموت بطيئاً... طريق المسرح البحريني يحتاج لشمعة مضيئة... المسرح البحريني لم يعد في عنفوانه السابق... المسرح البحريني بدأت تتسرب إلى روحه المحبطات... ترى إلى متى سنظل نسمع تلك الكلمات ولا نرى ونسمع النقيض لها؟ ألم نسأم جميعاً من سماع هذه الكلمات؟... ترى لماذا لم يدرس المسئولون في مجال الثقافة والإعلام الأسباب التي أدت إلى تدهور واقع المسرح البحريني؟ ولِمَ لم يوجدوا الحلول لتلك الأسباب على رغم أن جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حرص على توجيه المعنيين بوزارة الإعلام للعمل على تأصيل الحركة المسرحية في البلاد وتقديم كل أشكال الدعم المادي والمعنوي للفنانين البحرينيين باتجاه رفع الراية المسرحية البحرينية بحيث تأخذ مكانتها كأحد المجالات الثقافية الرائدة ولاسيما أن تاريخ البحرين المسرحي حافل بالإنجازات. فالحركة المسرحية في البلاد تحظى بدعم لا محدود من عاهل البلاد تأكيداً منه أن المسرح دعامة أساسية من دعائم المنظومة الثقافية والحضارية للبحرين، فضلاً عن مكانته الإنسانية في حياة الشعوب حيث يختزل كل الفنون ويتبنى مختلف القضايا الحياتية ويعبر عنها بصورة إبداعية من خلال النص والحركة معاً. بلاشك إن التوجهات الملكية لدعم الحركة المسرحية في البلاد تمثل نقطة تحول كبيرة في تاريخ المسرح البحريني، ولكننا لم نرَ الواقع تغير كثيراً... فخذ على سبيل المثال لا الحصر أن أحد أعمدة المسرح البحريني الأساسي هرم وهو ينتظر «تفريغه» للعطاء والإبداع في هذا المجال... نعم إنه الفنان القدير عبدالله السعداوي، فقد مر 12عاماً وأكثر على التماس تفريغه، ولكن الحال هو الحال. في البداية كان الأمر قريباً كلمح البصر أو هو أقرب من ذلك، بَيْد أن السعداوي قارب سن التقاعد والوعود أصبحت أوهاماً. 4وزراء وأكثر حملوا حقيبة الإعلام جاءوا محملين بالوعود ثم رحلوا. جاءوا ثم رحلوا، والسعداوي هو السعداوي ينهض في الصباح الباكر، يتدثر بشمس أغسطس/ آب التي تطارده في «جبايته» اليومية التي يتحصلها للأوقاف السنية من هذا التاجر ومن ذاك المتعب الذي يضاعف جهد السعداوي كي يحظى بنار أخرى تجعله يتردد ألف مرة قبل أن يقصده في المرة الثانية، وفي كل الأحوال يأتي السعداوي إلى مقر مسرح الصواري منهكاً، يسرق قيلولة لراحة جسده يعاود بعدها الانصراف إلى كتبه وزهده الخاص دون أن يسأل ما الذي حدث بشأن تفريغه؟ ثلاثة وكلاء مساعدين وأربعة مديري ثقافة وأكثر وقامة السعداوي لا تحتاج إلى شهادة أحد، ولا إلى كل هذا الوقت لإثبات أحقيته في أن ينال ما نريد نحن له... عشرات الحفلات التكريمية، عشرات اللقاءات الصحافية، والكثير من الجوائز... وأكثر جاءت تبين أهمية دوره المسرحي الفاعل والخلاّق على الصعيد المحلي والعربي والدولي وأهمية تفريغه، على حين المسئولون أذن من طين وأذن من عجين! لا نفهم الرياضيات ولا نفقه لغة الأرقام... ولكن ما نفهمه جيداً أن كل ماسبق وأكثر لا يترك ثمة ذريعة ولا أية حجة لتأخير حصول الفنان عبدالله السعداوي على التفريغ! تلك لم تكن كلماتي وإنما هي كلمات مدونة إلكترونية جديدة تحت عنوان«فرّغوا السعداوي» نجدد فيه نحن تلاميذ ومحبي فن وإبداع السعداوي مطالبات العشرات من المثقفين والفنانين والصحافيين بتفريغ الفنان المسرحي عبدالله السعداوي لبحثه ومسرحياته... بعد كل تلك الأعمدة التي سطرت في الصحف ونقشت بكلمات من القلب للقلب الكبير الذي عهدنا منه كرماً واهتماماً بما هو صالح للمجتمع البحريني، فتلك اليد التي امتدت لتفرح العديدين بكرمها وعطائها، لن تبخل على شعبها بتفريغ المبدع الفنان والممثل والمخرج عبدالله السعداوي، الذي ضرب صيته الآفاق بين المثقفين والمبدعين والجمهور العربي. بين يدي عاهل البلاد نضع أمر تفريغ الفنان عبدالله السعداوي، الذي أعطى للبحرين الكثير، ومازال عطاؤه متدفقاً من دون انقطاع.
بقلم: خالد الرويعي حضرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة الموقر رئيس مجلس الوزراء حفظه الله ورعاه تحية طيبة وبعد صاحب السمو تعلمون أن أهل الإبداع فخر للبحرين بأسرها، وقد أكدتم في أكثر من مناسبة أن هؤلاء هم رجالات البحرين والكل يفخر بما عملوا ويعملون، وإني لأكتب إلى سموكم هذه الكلمات حباً وفخراً بهؤلاء الذين لا يخفى إبداعهم على أحد، وليس لدي ما يمكن قوله سوى في اثنين أرى أنهم يستحقون الكثير، رغم علمي بوجود آخرين لا يخفى حالهم عن سموكم. فكما تعلمون ياصاحب السمو أن الفنان السعداوي لا يخفى حاله على أحد، فدعوات تفريغه وصلت إلى الجميع وتناقله وزير تلو وزير ولم يبق على تفعيله سوى النظر من لدن سموكم، أما الفنان عبدالله يوسف فهو أحد أرباب المثل القائل (سبع صنايع) لكن بخته لا يضيع أبداً رغم ضياعه بالمعنى الحرفي، فهذا الفنان ليس مخرجاً تلفزيونيا أو مسرحياً.. ليس فناناً تشكيلياً.. ليس ممثلاً.. ليس ماكيراً.. وليس وليس... لأن كل ذلك هوعبدالله يوسف. فهذا الفنان يا صاحب السمو كان آخر (بخته الضايع) الاستغناء عنه من إذاعة البحرين مع الذين طالتهم (عمليات التدوير) لكن (تدويره) كان خارج الإذاعة نهائيا، فأي وفاء لهذا الفنان بعد رحلة العمر في الإذاعة؟ يا صاحب السمو.. أثق بأن ذلك لا يرضيكم، وأثق في ما تحملونه من هم كبير يشغل ذهنكم تجاه أبنائكم .. أثق في كل ذلك.. وإني لأضع هذا الخطاب بين يديكم وكلي ثقة في حسن تصرفكم الكريم قبل رفع قلمي عن كتابة هذه الكلمات. المخلص لسموكم ابنكم/ خالدالرويعي
أكتب إلى سموكم هذه الكلمات التي وجدت فيها أن تأتي في صيغة رسالة أعلق جزءا كبيراً منها على حسكم الوطني الكبير وثقتكم في أبناء هذه الأرض التي ارتوت بعرق الفنانين والمبدعين وهم ينحتون إبداعاتهم حباً في هذا البلد وشعبه، أكتب إليكم - وليسمح لي الجميع - باسم شعب البحرين الذين يثقون في عطاء وخبرة إخوانهم، أكتب إليكم وكأني لا أبارح مكاني إلا واستجبتم لمسألتي التي هي مسألة الكثيرين من أصدقاء وأهل، أكتب إليكم وأنا لا أسألكم إلا القليل من كثير، أسألكم لما لكم من يد ومكانة على هذه الجزيرة الجميلة.
الفنان عبدالله السعداوي والفنان عبدالله يوسف.. أكتب عنهما الآن عرفانا بصنيعهما على الوسط الفني وجهودهما في إعلاء اسم البحرين عاليا.. اكتب عن أستاذين أدين لهما بالفضل الكثير عليّ شخصياً، وعلى الكثيرين في هذا البلد، أكتب عنهما لأني لا أملك لهما سوى الحب وخطابي إلى سموكم هذا.
بقلم: جعفر الجمري ما الذي تعنيه مناشدة لأكثر من شهرين بتفريغ المسرحي القدير عبدالله السعداوي من دون أن تحرِّك تلك المناشدة حساً في المملكة، وخصوصاً من قبل الجهات الرسمية؟ ما الذي يعنيه مثل ذلك التجاهل والصد وعدم الاكتراث؟ ما الذي يتوقعه مبدعو المملكة، وهم في الدَرَك الأسفل من الحاجة والمرض والديون؛ فيما التفاتة «الوسط» اشتغال على حق طبيعي في ظرف غير طبيعي؛ ومع ذلك كانت الآذان أشبه بصمت القبور؟ إلى متى سيتم التعامل مع مبدعي ومثقفي ورياديي المملكة، بهذه الصورة الفجَّة، وغير المسئولة؟ إلى متى يقذف بهم في غيابات النسيان وعدم الاكتراث وتمهيد الطرق أمامهم للدخول إلى المجهول؟ لا نتسول منَّة من أحد، وحق مبدعي ومثقفي ورياديي المملكة لا يحتاج إلى مناشدة أية جهة؛ ولكنه الدور الطليعي والريادي الذي اضطلعت به «الوسط» ضمن مشاريع متنوعة تهدف بالدرجة الأولى لا إلى تصحيح أوضاع المثقفين والمبدعين؛ بل إلى تصحيح الأخطاء التي ارتكبتها وترتكبها الجهات المسئولة التي لا يطرف لها جفن في إنفاق مئات الآلاف من الدنانير في «إضاءة مسرح»، أو جلب و«شحن» عدد من الردَّاحين العاطلين عن الإنجاز الفعلي في الحياة العربية. يعلم المسئولون ضخامة وحجم الإنجاز الذي حققه السعداوي في المحافل والمهرجانات المسرحية العربية، ويعلم المسئولون أيضاً كم يقتطع الرجل من قوته وقوت أهله للإنفاق على مشروع متوحد مع رؤيته وتوجهه، ويعلم المسئولون كذلك كم عانى ويعاني الرجل من شظف العيش بالحد البسيط والأدنى من التزامات الحياة. ويعلم المسئولون مرة أخرى كم هو حجم الإغداق على حفلات استقبال ومناسبات لا مردود حقيقياً لها؛ فيما تفرغ مبدع يشكل عبئاً وإزعاجاً لها بمجرد التحشيد الذي يصب في صالحه. إذا كانت الحكومة تحترم مواطنيها بمن فيهم «المبدعين» عليها ألا تعطينا «الأذن الصمخة» ونتمنى ألا يكون الصمت أو التسبيب راجعاً إلى الأزمة المالية العالمية يرحمكم الله؛ لأن المناشدة سبقت الأزمة بأكثر من عام. لا نتوسل، ولا يتوسل السعداوي صدقة من الحكومة؛ لأن ذلك حقه الطبيعي في التفرغ؛ ولأن بعض الذين تم تفريغهم لا يستحقون أن يشاركوه في حسه الإنساني في درجته ومستوياته الملفتة.
يبدأ خلال هذا الشهر المخرج محمد جناحى تصوير فيلم قصير جديد بعنوان »ريح العتمة« قصة وسيناريو وحوار الفنان الكبير عبدالله السعداوي ومن إنتاج الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي ويناقش الفيلم مشكلة التطور العمرانى الذى بدأ بالزحف على الأبنية التراثية الأمر الذى سيفقد البلد هويتها. وصرحت نيكول مقصود مديرة الإنتاج في الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي عن تقديم جائزة بعنوان »تطويرالمشروع« ستطرح فى سوق الإنتاج المشترك الذى أطلقه مهرجان دبي السينمائي العام الفائت ، ويرتكز على تبادل الثقافات عن طريق إشراك سينمائيين خليجيين وعرب وأجانب ليعملوا سوياً على تنفيذ 15 مشروعاً يتم أنتقاؤها من قبل »دبي فيلم كونكشن«، طلقه مهرجان دبى السينمائى تحت مسمى وهي عبارة عن 10000 دولار ستقدم للفائز بأفضل مشروع سينمائي وذلك لمساعدة الرابح على تطوير السيناريوالخاص به، وهدف الشركة البحرينية للإنتاج السينمائي من دعمه هو المساعدة في تسليط الضوء على السينمائين الخليجيين وتشجيع نمو المواهب فى الخليج.
حاورته للوسط - منصورة عبدالأمير كما هو المخرج المسرحي البحريني عبدالله السعداوي دائماً، مختلف بتميز، تدهشك جرأته في الطرح كما هي في الأسلوب وفي اختيار الأدوات، وكما هو، تأتي أعماله. اليوم وبعد انقطاع زاد على العام منذ آخر أعماله المسرحية «ميتروشكا»، يعود بعمل جديدأسماه «غبار». هذه المرة يأتي عمله سينمائياً، أفضل ما يمكن أن يوصف به هو كونه" سعداوياً" بامتياز، «سعداوي» اللغة السينمائية، الأدوات، الوجوه والشخصيات...سعداوي الهم. باختصار فيلم «غبار» الذي عرض أخيراً أمام جمهور خاص بنادي البحرين للسينما هو حالة «سعداوية» جديدة تستعرض الكثير من هموم المواطن البحريني، بدءاً من الفقر والبطالة وصولاً إلى ردم السواحل وحقوق المرأة المسلوبة باسم القانون والتشريعات. الوسط التقت السعداوي وأجرت معه الحوار الآتي: لنخرج عن التصنيفات فهي ليست ذات أهمية بالنسبة إلي، فيلمي يحوي كل الأنواع المعروفة، هناك سينما تجريبية، سينما مطلقة، سينما مباشرة... وغير ذلك، وهذه ليست المرة الأولى التي أمزج فيها بين الأنواع الفنية. فعلت ذلك في أعمال مسرحية سابقة لي، كمسرحية «الكمامة» التي مزجت فيها بين الواقع والخيال، وجمعت فيها بين عدد من المدارس. وهذا الأمر ممكن على مستوى المسرح والسينما وحتى الرواية، بالإمكان اختيار دروب كثيرة بدلاً من الذهاب إلى الطريق المعروف. عملية المزج هذه بين الأنواع والأساليب تمكّن المتفرج من أن يبدأ الفيلم من أي مشهد يشاء، وسيمكنه مواصلة المشاهدة وتكوين فيلمه الخاص أو حالته الخاصة تجاه الفيلم. أنا أشبّه هذا الفيلم بمجموعة من الكلمات المتقاطعة على المشاهد أن يربط فيما بينها في سبيل أن يعمل فيلمه الخاص، هو في واقع الأمر عوالم متفرقة يجمعها خيط واحد. فيلمي يبدو كبحث على شبكة الإنترنت يقودك إلى نوافذ كثيرة كلها تنفتح على بعضها الآخر. مشاهدي عفوية وموازنتي «صفر» * لكن هل هناك ثيمة مشتركة تربط كل هذه العوالم؟ ما أفعله هنا هو أنني كشخص يكتب رسالة ما، يضعها في زجاجة ويلقي بها في البحر، قد تصادف رسالتي أحداً ما ويقرأها، وقد لا يحدث ذلك. نعم، هناك ثيمة مشتركة بين عوالم الفيلم تتمثل في وجود مدينة حديثة، يجولها شخصان يفتشان في زواياها، في محاولة لمعرفة ما يدور فيها، وقد يصل بحثهما إلى دواخلهما. يفكران أحياناً بشكل عفوي فتأتي مشاهدهما عفوية كما هي في الواقع لا يحاولان إجراء أي تغيير عليها، وأحيانا تخلق المصادفة مشاهدهما كمشهد «البنك» الذي لم يكن موجوداً في الأساس لكننا أضفناه في محاولة لتضمين ثيمة الحلم، وثيمة الآلة التي تتعامل مع الحلم، وثيمة وجود رفاهية في مقابل إفلاس مادي. * هل لموازنة الفيلم تأثير على اعتماد خط الفيلم وأسلوبه؟ في الأساس لم تكن هناك موازنة، ولم نحتج إليها، كل ما احتجنا إليه هو كاميرا استعرناها من عبدالله رشدان، ثم احتجنا إلى شراء «هارد ديسك»، وهو الشيء الوحيد الذي كلفنا،إذ وصلت قيمته إلى 120 ديناراً. فيما عدا ذلك لم نكن بحاجة إلى أية موازنة حتى الممثلين لم يتسلموا أجوراً. حتى فكرة الفيلم جاءت من ورشة عملية أردنا أن نقدم منها فيلماً، ثم أردنا أن نعمل فيلماً مكملاً للفيلم. حتى أنه لم تكن لدينا أية خريطة واضحة للفيلم. لم ننطلق من سيناريو مكتوب بل من أفكار في أذهاننا. لدينا فكرة أردنا أن نتحرك عليها ونعمل مواجهة بين الواقع الموجود في حركته وبين الفن. مشاهدنا واقعية قدمناها كما هي من دون أي تدخل في أدوات المشهد. في الواقع، أتعامل مع أدوات المشهد بحسب ما هي موجودة، أنا أشكل مشهداً مما هو موجود أمامي، والمتفرج هو الذي يتكفل بتأويله ويعمل إيحاءاته الخاصة. أنا متمرد وروحي شبابية * هل تعتقد أن الساحة السينمائية في البحرين مستعدة لتقبل هذاالنوع من الإنتاج؟ ألا نحتاج إلى نضج هذه الساحة أولاً، أم أنك تراهن على وجود تلامذة مخلصين لك سيتبنون أسلوبك؟ قد لا أقدم فيلماً آخر، فتوجهي مسرحي، لكن ما أريده هو أن أعمل فيلماً يمكن أن يكون محرضاً للآخرين على تقديم أفلام مشابهة، وخصوصاً إذا كان هناك من يعمل بشكل جدي وواع. كل الأشياء حولنا لها حكايات ولها عوالم إذا تحاورنا معها تنفتح لنا الأمور ويمكن لنا أن نصنع من هذه الحكايات أفلاماً كثيرة. يجب أن نفتح خيالنا على هذه العوالم، وهذا أعتقد أنه يقدم نوعاً من القيمة للإنسان، لأن الإنسان وجد في سبيل أن يتحاور ويصغي ليثري روحه. وعلى العموم كان هناك ارتياح شديد تجاه الفيلم، وخصوصاً من قبل جمهور الشباب، ربما بسبب الحركة السريعة للفيلم وتعدد عوالمه. عملت الفيلم بروح شبابية، في الواقع لاأزال أحمل اندهاش الشباب بالأشياء حولي، لاأزال أعيش حالة الشك والحيرة التي يعيشها الشباب تجاه كل ما هو جديد، ولم أفعل هنا سوى أني حاولت اصطيادها بالكاميرا. * هل يمكن اعتبار «غبار» مقاومة من السعداوي أو تمرداً على ما هو موجود من محاولات سينمائية، هل هي محاولة لخط نهج جديد؟ هي محاولة عمل فيلم لا أكثر ولاأقل. نعم، السعداوي متمرد لكن لا يوجد سينما سائدة في سبيل أن يتمرد عليها أحد، حتى الخطوط الموجودة ليست خطوطاً واضحة. * ما الذي يمكن أن تقدمه مثل هذه الأفلام للإنتاج السينمائي في البحرين وكيف ترى مستقبلها؟ هذه الأفلام تعلمنا كيف نرى الأشياء ونرى ما وراءها ونخترقها ونحللها، السينما بحاجة إلى أن تثبت جذورها، والشباب بحاجة إلى أن يحملوا وعياً بهذه الحالة، لا أن يكون الأمر مجرد حماس يفتر بعد حين. يجب أن تكون هناك مثابرة حقيقية للبحث، يجب أن يكون هناك وعي بالأشياء وأن يكون للشباب مواقف تجاه واقعهم، تجاه السينما. يجب أن تكون ذاتية أي صانع فيلم موجودة في الفيلم وخصوصاً الشباب الجدد على هذا الطريق الذين دخلوا عملية التوليف السينمائي وليس السينما التجارية. هؤلاء إذا تكونت لديهم ذاتيتهم الخاصة لبناء عوالمهم الحقيقية تمكنوا من أن ينتجوا أفلاماً أفضل وأكثر تأثيراً. حين سألنا السعداوي عما دفعه لإنجاز فيلم «غبار» مع المخرج والمصور التلفزيوني محمد جناحي، قال: "هو أقدر شخص على فهمي، سبق أن قدمت معه فيلماً قصيراً هو فيلم الشجرة، ولمست بنفسي براعة تصويره، لم أرافقه إلى موقع التصوير، فقط شرحت له الفكرة وطلبت منه تنفيذها، وفعلاً تمكن من أن يقرأ فكرتي وينفذها تماماً كما في ذهني". وواصل: "هذا الرجل يملك الكثيرعلى مستوى التصوير والإخراج، لكن طاقته معطلة ولم يعطَ القيمة التي يعتمد عليها". أما جناحي الذي لم يكن موجوداً في البحرين حال عرض الفيلم، وحتى أثناءإجراء المقابلة مع السعداوي، فقال متحدثاً لـ "الوسط" في اتصال هاتفي: "جاءت فكرة الفيلم مصادفة، وهي تقوم على وجود شخصين يريدان صناعة فيلم سينمائي ولكن موازنتهما معدومة. الفيلم ينتمي إلى السينما الفقيرة كحال معظم الأفلام التي قدمتها، وكحال مسرحيات السعداوي، هي كذلك تنتمي إلى المسرح الفقير. بداية التفكير في الفيلم كان حين كنا، أنا والسعداوي، في زيارة لساحل الفاتح، طبعاً الساحل منطقة مهملة لكن على رغم ذلك شاهدنا أطفالاً يسبحون في البحر، حينها سألني السعداوي عن أول ما تبادر إلى ذهني... هكذا جاء الفيلم". عن تصويره للفيلم وكيفية اختياره لمواقع التصوير، وهما مما يميز الفيلم، قال جناحي: «لا أستطيع التحدث عن التصوير لكني أعتقد أن الشخص الصادق مع نفسه الذي يعيش هم العمل الذي يقدمه يمكن له أن يبدع فيه، أنا أرى نفسي صادقاً أكثر من كون تصويري جميلاً. ربما تحريت الدقة في اختيار زوايا التصوير وهو ما أنتج مشاهد جميلة. أيضاً راعينا أنا والسعداوي أن تكون حركة الممثلين واقعية جداً بعيدة عن أية حركة مسرحية على الأخص، لأننا نقدم فيلماً توثيقياً، والكاميرا التوثيقية يجب أن تنقل صورة حقيقية للواقع لا أن تجمِّله.
* كيف تصنف فيلمك، إذ يبدو هنا وكأننا أمام دراما توثيقيةDocudrama تستخدم الكثير من ملامح التجريب. كيف تجده أنت، وهل ترى أنه من الممكن التجريب في فيلم توثيقي، أنت تمزج الخيال بالواقع، كيف تفعل ذلك؟
ذاتية الشباب تصنع أفلاماًأقوى
الصدق أولاً ثم الدقة
بقلم: عبدالله السعداوي ما أجمل أن تلتقي شخصاً لا تعرفه، فإنني أكرهالأشياء التي أعرفها، لهذا أحب أمين صالح؛ لأنني لا أعرفه - أراه دائماً صامتاً يقذف شباكه ليصطاد الرياح ودعابات الأمواج، وحين أسأله يمطرني بإجابات مختلطة ومبهمة هي أشبه بغمغمات أو همهمات تبلبل أكثر مما تفسر، له روح كروح سلالات الهنود الحمر لا تروض، وحكمة اللقلق الواقف برجل واحدة يتأمل العناصر ليمزجها برحيق الأمواج وبالنيازك نفسها. إذا ما دققت في عينيه شعرت بأنك تنظر إلى العدم لتراه على حافة الهاوية يترنح حاضراً محموماً لا يقرر أن يكون شفيع أحد - للمرة الأولى ترى من حولك أيامك التي تتهاوى كالقش من خلال تلك الأصابع، حلمت بصياد السمك وهو يسحب النسيم العليل بصنارته، سمعت صوت الحوذي يجر عربته، رأيت المرأة المتشحة بالسواد، جلست على كرسي صغير، عرفت أنني الآن في مهب الفجيعة، ما أجملها من فجيعة، حينما يلتف الجلل حول الرقبة وتضغط لتبدأ المدينة الخائنة بالمغادرة . ما أجمل الموت الذي جاء ليقبض لا ليعفو، ما أجمل تلك الريح الخفيفة وهي تأخذني إلى كهف مظلم، وكلما تقدمت إلى العمق وتوغلت في العمق السحيق، رأيت ثمة نوراً ثمة طفلاً نائماً تحرسه الغزلان واللقالق وتحن عليه الأفاعي، ترى كائنات لم ترها في حياتك، لم تسمع بها ولم تحلم. تتأمل في وجه الطفل أنه يشبه الشخص ذاته الذي لا تعرفه.. إنه نزيل العزلة، تقترب منه أكثر فأكثر تستعير منه عينيه.. عندها تدرك أن عينيك كانتا مفتوحتين على الضوء، لكنك لا ترى. ساعتها تعرف أن هذا الرجل كان يرى ما لم تكن تراه.
بقلم: حسام أبوأصبع قبل فترة، أعد عبدالله السعداوي كتاباً سماه‘’المُغتَصِب’’. وكان الكتاب عبارة عن ‘’ألبوم’’ جمع فيه معده قصاصات وصورفوتوغرافية هائلة، تتمحور جميعها حول القضية الفلسطينية. السعداوي لم يكتب مقدمة، ولم يكتب تمهيداً أومدخلاً تعريفياً لهذا الألبوم/ الكتاب، وإنما اكتفى بجعل هذه النصوص/ القصاصات إلى جوار بعضها بعضا، من دون أي فصل بينها في فصول أو أبواب أو ماشابه. وإجمالاً، اشتمل هذا الألبوم على مقاطع متواترة من مسرحية الاغتصاب لـ‘’سعدالله ونوس’’. وعلى مقالات صحافية، ومقاطع من قصائد شعرية، ونصوص اتفاقات مثل خارطة الطريق، وجداول تواريخ مهمة، وأخبار صحافية، وصور فوتوغرافية، ومستلات من مقابلات مع أطفال وكبار سواء بسواء، ومقولات من هنا وهناك، وما إلى ذلك. وعلى كل، قام السعداوي بطباعة عدد من النسخ بطريقة الـ’’فوتوكوبي’’ ووزعها على المقربين منه أو على من صادفهم كما هي عادته. ثم قرر أن يفتش عن ناشر لهذا الكتاب، وبالطبع، لم يجد سوى قطاع الثقافة كجهة من الممكن أن تتكفل بطباعته. إلا أن القطاع رفض طباعته، بحجة أن الكتاب لا يمكن تجنيسه في جنس بعينه، وهم محقون في ذلك. والسعداوي من جانبه محق، في محاولته طباعة الكتاب، وهو محق كذلك في قناعته الشخصية بأن هذا الكتاب/ الألبوم - مرة أخرى - يستحق أن يكون في متناول يد مجموعة أكبر من 5 أو 10 أشخاص. ولكن، أين هي المشكلة؟ إلا أنني أتساءل، هل فعل التأليف يختلف كثيراً عما قام به السعداوي من توضيب وترتيب واختيار وانتقاء وتجميع، وما حجم هذا الاختلاف إن وجد؟ وهل فكرة التجنيس والتصنيف والأنواع لاتزال سارية المفعول إلى عصرنا هذا؟
إذا قلنا بحق القطاع، فهذا صحيح، وفقاً لمعيارهم الذي وجدوا فيه مبرراً لرفض النشر، أي التجنيس، فالكتاب لا جنس له ولا هوية كذلك، بحسب الأدبيات الكلاسيكية جداً. وللسعداوي بدوره الحق في رؤية جهده الكبير في تجميع كل هذه المواد مطبوعة في كتاب.
بقلم: عبدالله السعداوي: ليوسف حمدان معزة خاصة في قلبي، وله الفضل الكبير على تجربتي نقدا، نقاشا، ومشاركة، ويوسف تربطني به علاقة عائلية، فكل العائلة تعرف يوسف وتسألني عنه دائما، وتربطني به صداقة تضرب بجذورها في عمر الزمن أيام كانت الرفاع الشرقي، الرفاع الشرقي بناسها الطيبين، أيام ما كنا ننام ونصحو على أغاني كوكب الشرق في مقهى فرج، تذكر وأغاني فيروز وخطب جمال عبدالناصر، أيام ما كنا نمشي في مظاهرات، وأيام ما كنا في نادي الهلال، وكنت أنا رئيس النادي- تلك الأيام التي أحضرنا في نادينا الشاعر السوداني، والذي حضر ومعه أسرة الأدباء والكتاب، تذكرذلك البيت الذي كان خرابة، وتحول بفعل الشباب إلى مكان نظيف، وتم فيه إلقاء الشعرفي أمسية شعرية، وحيث كان هناك في إحدى الغرف حمار يخص صاحب البيت، وكان كلما رفع الشاعر محمد الفيتوري صوته بدأ الحمار ينهق، وكلما زاد صوت الشاعر ارتفاعا كان الحمار يعاند ويزيد من صوته، حتى توقف الشاعر الكبير، وقال دعونا ننتظر حتى ينتهي السيد الحمار، تذكر أيام ما كنا نمشي من وادي الحنينية المحبب إلى نفوسنا والحامل ذاكرتنا وقبور أحبتنا الأقرباء والأصدقاء رحمهم الله إلى نادي الرفاع الغربي، لنلتقي بالأحبة المحفورين في خبايا القلب، الذين لا يمكن نسيانهم ولا نسيان الأيام الجميلة التي عشناها في مسرح النادي مع صديقي المرحوم غالي راشد، الذي كان من أقرب أصدقائي، بل كنت هو وكان هو أنا، في ذلك النادي حيث التقينا بالاستاذ الفاضل خليفة الظهراني والمرحوم حسن النعيمي وحمد النعيمي ذلك الإنسان الكبير في إنسانيته، والذي مازال حتى يومنا هذا يعمل في العمل التطوعي من دون كلل ولا ملل ولا تعب وبكل إخلاص وتواضع، ذلك الإنسان الذي وثَّق تجربتي في تلك الفترة من خلال ذاكرة لا تخر منها الماء، وهي مثبتة في كتاب السرد، النحت، الزمن للزميل حسام توفيق أبواصبع، ويوسف له الفضل الكبير في إظهار مواهب الشباب الكتابية في أخبار الخليج من خلال تشجيعه. وإظهار لتلك المواهب الكتابية الرائعة، والتي للأسف الشديد توقف بعضها عن الكتابة بعد ترك يوسف للصفحة الثقافية، ومازال البعض منها يواصل الكتابة، وربماكان توقف البعض خارج عن إرادتهم أو بسبب ظروف قاهرة، ثم كان له الفضل بإظهارالمواهب الشابة في التلفزيون عن طريق برنامجه الثقافي الإخباري، فأينما يوجد يدفع بالشباب إلى حيز الظهور لإيمانه بطاقاتهم ومواهبهم، ولا ينقطع يوسف أبدا بانشغاله بقضايا الواقع والناس، والتي يقترب منها ويمسها بقلم رشيق ونظرة نقدية ذات نكهة ساخرة، يلاحق بها عمل البرلمانيين والبلديين الذين أشبعوا الناس بالوعود السحرية إلى درجة جعلت الكثير من الناس تفقد الثقة في تلك الألعاب، وتلك الوعود التي لم يعد يصدقها حتى البرلمانيون والبلديون أنفسهم، لكنهم ينتجونها كلوازم الشغل، خصوصا بعدأن فاحت رائحة الطائفية، والتي يمقتها يوسف الحمدان كما أعرفه. ويحاول كشفها وتسليط الضوء عليها، ويلاحق تصريحات النواب التي يطلقونها، ثم ما تلبث أن تكون سرابا تتلاشى وتتبخر بعد نتائج الانتخابات، ودائما ما يحتفي بودانة بالعقل ويملك بين جوانحه قلب طفل بريء لا يستطيع أن يتلون في زمن صار القناع من لوازم العقل والعقلانية، فهو مثل الطفل الذي بإمكانه أن يخبر أهله برغباته حين يود اللعب، وحين يرغب بالاختلاء بنفسه والتنعم بالهدوء، وحاجته إلى النوم أو الطعام، أو العناق والاحتضان، ومتى يكون سعيدا وراضيا ويعلمها بمشاعره متى يكون خائفا ومتى يكون مندهشا، وحين يكون ضجرا أو مفتونا بأمر ما، ومتى يكون محبطا أو فرحا أو زعلانا أوشاكا فكل تلك المشاعر يمكن أن تظهر على وجه يوسف أو حركاته ولا يستطيع أن يخفيها أويغلفها بأي قناع اجتماعي لما يمتلك من صفاء داخلي، وحب، أحيانا كثيرة يخطئ في إيصاله، وأحيانا كثيرة تفسر أفعاله بغير الذي يريده، فهو مولود ومعه مخزون ضخم ومدهش من تلك المحبة، وذلك الصفاء الذي اكتسبه من عائلته ومن تربية الحمام، والأبقار، وملاحقته للفراشات، وتأمل ألوانها. شايل ومشيول عاقل ومهبول هذي الحياة يا ناس لعب وضرب الكاس الكورس: كلنا فداك ياخوي كل الحياة هوى.. هوى وفي نهاية العمل المسرحي يعود غالي راشد مضرجا بالدماء فنتبين بأنه قد تسبب في حادث بسبب سكره، كم كنا صغارا، وكم كنا جميلين وكم كانت لنا أحلام بدأنا نراها تتساقط ورقة ورقة، وها نحن نقترب من عتبة ما بعد الخمسين، وفجأة نكتشف أن الزمن يمر، يستخدمنا أرصفة للمرور، وهذا المرور ليس استعارة بل حقيقة نكتشف حقيقة الزمن في وجوهنا في عيوننا واسناننا ومفاصلنا نعرف اننا دخلنا المنعطف الآخر، وهذا المنعطف يحتم عليك ان تتعرف بما يليق به من حكمة ورصانة، لكن تنظر الى الدنيا بعينين شابتين وتتابع حياتك كما هي الحياة، لكنك تكتشف وجود خلل ما وكأن الخمسين تجبرك أن تقدم ملخصا جسديا لحياتك، وكأن هذا العمر هو لحظة استعارة كل الأمراض والأوجاع التي عانيتها في مختلف المراحل، تعود آلام الطفولة ويظهر قلق الشباب ويعلن الجسد نفسه خريطة لذاكرة تم حذفها من الذاكرة، لكن ما الذي يدفعنا إلى كل هذا التفكير والغربة والاعتزال، والذي يدفعنا نرى خيوط العمرتنسل من بين أصابعنا، وأنت مازلت يا يوسف مهموما بالوطن وبالإنسان ماسكا بالقلم مدافعا ومقاتلا عن الوحدة الوطنية، التي ربما تعلمها من المسرح الذي كان يجمع بداخله كل الأطياف ويوحدها في بوتقة واحدة تسمى الفن من دون ادعاء ومن دون نعرات طائفية ومن دون مصالح، ففي الوقت الذي كان كثير ممن يحترفون الصمت كان المسرح يصرخ بالعدل مواقف، وفي الوقت الذي يهجرون العمل الاجتماعي كان المسرح يطالب برفع الكمامات الكاتمة لأنفاس البشر، ويحثهم على انتزاع الخوف والرعب، وفي الوقت الذي لم يدع للإنسان قيمة تذكر كان المسرح يدافع عن الإنسان بكل ما أوتي من قوة ويطالب برفع الجاثوم من على صدورهم، وفي الوقت الذي كان المسرح ينحرف عن جادة الطريق كان يوسف يصرخ ويقف متصديا للمسرح المنحرف بحسب رأيه، وفي الوقت الذي تخرج مع يوسف الكثير من قسم النقد في معهد الكويت المسرحي. آثروا الصمت وعدم الكتابة في النقد المسرحي أوالتفكير في الهم المسرحي، وكان يوسف يستل قلمه ويهاجم من خلال كتاباته وبالصراحة وحده والقسوة البالغة على رأي أمين صالح ليصنع تاريخا نقديا للمسرح البحريني جنبا إلى جنب مع د. إبراهيم غلوم، لكن الفرق بين إبراهيم غلوم ويوسف حمدان - أن الأول وضع ذاكرة للمسرح عبر كتبه الموثقة، فيما يوسف للأسف الشديد ترك للريح أن تسرق ذاكرتنا- الذاكرة لا تعني حفظ الماضي فقط، لكنها تعني أيضا الرغبة، فالحوار والرغبة في تحقيق أمل كان قد مضى في تلك العاصفة وسط الرمال المتحركة. فاليوم أطالبك باسم الصداقة التي تربطنا أن لا تترك للريح أن تسرق ذاكرتنا بل ذاكرة الوطن المسرحية، أطالبك أن تجمع جميع أوراقك النقدية في كتاب، لأن الكتاب ذاكرة الشعوب، ولأن ما كتبته ليس ملكا لك وحدك، انه ملكنا نحن المسرحيين، كل المسرحيين، فما يكتب بكل ما فيه، سواء وافقنا عليه أم لا، هو ملك للوطن لأنه ملك لمجموعة من البشر يطلق عليهم المسرحيون،وهم مجموعة من أفراد هذا الوطن، حتى لو لحقهم التهميش إلى يوم يبعثون. 
وكان في اسكشاته المسرحية القصيرة، يتناول مضار الخمر وتأثيره على الأسرة مع تناوله لقضايا اجتماعية، ومازلت أذكرالمرحوم غالي راشد، وهو يردد مقاطع يوسف الشعرية المسجعة، وكأنه يقف أمامي الآن بقامته المديدة وابتسامته الرائعة وصوته الجهوري قائلا:
خاص- مدونة فرغوا السعداوي يشارك الأستاذ عبدالله السعداوي في الدورة العشرين لمهرجان القاهرة التجريبي والذي تنطلق فعالياته الجمعة 10-20 اكتوبر 2008، وذلك مؤلفاً لمسرحية "فجأة لم يهطل المطر" والتي تصدى لإخراجها الفنان إبراهيم خلفان ومن تمثيل كل من محمد الصفار وحسن منصور.. المسرحية هي من إنتاج مسرح الصواري، وقد حصدت جائزة الإخراج والتمثيل في مسابقة العروض المسرحية التي يقيمها قطاع الثقافة والتراث بوزارة الإعلام.. الجدير بالذكر أن السعداوي قد نال جائزة أفضل إخراج في مهرجان القاهرة التجريبي 1994م وذلك عن مسرحية "الكمامة"، ولا يقاسمه عربي في نيل مثل هذه الجائزة سوى المسرحي العراقي جواد الأسدي..
بقلم: علي نجيب تركت منذ فترة المدونة الإلكترونية التي يقوم عليها الصديق حسين عبدعلي، والتيأنشأها من أجل حفظ الأدبيات التي تكتب في طلب تفريغ المسرحي البحريني الكبيرعبدالله السعداوي، وكنت قد عدت لها في منازلة مع نفسي وقناعاتي أن جميع ما يكتبويناشد به لن تحققه الأحلام. جرني إلى العودة الرحيل المؤلم والمفاجئ للشاعرالعربي الكبير محمود درويش، الذي ترك نقطة سوداء في تقويم هذا العام برحيله؛ فوقفله الواقفون، وكتب عنه الكاتبون، وخطب في مسيرته الخاطبون، وأقيمت لوفاته أماسيالحداد في كل مكان عشق جمال الحرف من يد ولسان درويش. عفواً... متى كانذلك؟ نعم، بعد رحيل محمود درويش؛ رغم أن درويش عاش حياة حظي فيها بكلالتأييد والدعم اللذين يستحقهما، إلا أن شاعراً كدرويش لايزال يستحق الأكثر. ولننكون هنا بصدد تسجيل نقاط إضافية على رايته العالية، إلا أن الشيء بالشيء يذكر،فمبدعنا السعداوي الذي نهتف لتفريغه ودعم فنه وإبداعه، لايزال نصيبه من التقدير سوىالكلام والكتابات، وأما ما يتعلق بوزارة الإعلام كمؤسسة مختصة برعاية وتفريغالمبدعين في مجال عمل السعداوي فلاتزال أذناً مغلقة عما يقال ويكتب. فياحسين، إن مجهودك ومجهودات جميع من كتبوا من قبل ومن بعد، وما عمل عليه من حملات فيالصحف المحلية لتفريغ السعداوي (على العين والرأس) إلا أنني أستدرك، إنها عين ورأسلفيف المحبين والمعجبين والمقدرين لما يمثله هذا السعداوي، فأي أمة تلك التي لاتقدر الشخص ولا تعرف قيمته إلا بعد أن يفوت أوانه؟ وهل تفريغ السعداوي بعد 12 عاماًمن أول طلب تفريغ سوى صلوات المحتضر العاصي قبل وفاته؟!
قبل 12 عاماً جرتني الصدفة إلى مقر مسرح الصواري الكائن في أم الحصم، فتحت الباب وإذا بكم من الشباب المتهيئين للتوجه إلى قلعة عراد حيث هم على موعد مع إفتتاح عرض مسرحية القربان، أنسقت ورائهم وتكدسنا في قلة قليلة من السيارات، كان من حضي أن جلست في حضن أحدهم حيث كانت كرشته العارية الكبيرة سوى من شال أخضر يداعبها وهو يتدلى من رقبته تكاد أن تحشرني في زجاج السيارة الأمامي، ولحيته السوداء التي بلغ طولها نصف طولي تخربش جسدي وتلفني بغموضها طوال دربنا إلى عراد، كان هذا الغريب هو عبدالله السعداوي. نزلت من السيارة وانسقت مرة أخرى وراء مجموعة من الشباب الذين ملئوا ساحة قلعة عراد، وبعد ساعات كان الجميع على موعد مع إفتتاح عرض القربان، خالد الرويعي يتوسط الساحة وهو ملفوف بخرقة برتقالية، يهذي بكلمات وجدت صعوبة بالغة في استيعابها، ولم يكن الوحيد الذي يهذي على ما يبدو حيث كان حالي مع جميع شخوص المسرحية على هذا المنوال إلى أن أنتهت المسرحية. يبدو أن شيئاً ما دفعني إلى مواصلة رحلتي مع غموض القربان، تكرر السيناريو في اليوم الثاني وفي اليوم الثالث باغتني السعداوي قبل دقائق من بداية العرض بسؤال لم أفهم معناه الدقيق في حينها " تبي أتمثل معانه؟" أجبت على مضض واضعاً في اعتباري التجارب المستقبلية طبعاً، لكن ما كان يعنيه السعداوي كان جزءاً من شطحاته الجنونية، لقد ربط معصمي ببعض الخرق الملونة في حينها وساقني الى بقعة من بقع العرض المنثورة واجلسني بجانب بعض من الصبية وقال لي: شوفهم شيسون وسو مثلهم ومضى. ومن كان يعلم لولا تلك الهجمة المباغتة من السعداوي كنت في اي إتجاه قد مضيت، التجربة الثانية مع عبدالله السعداوي كانت ضمن مسرحية الكارثة، "نام قوم طالع المنظرة هندم نفسك، امشي في مكانك اتعب افصخ اثيابك نام، قوم طالع المنظرة هندم نفسك، امشي في مكانك اتعب افصخ اثيابك نام وهكذا دواليك إلى ان انتهي منتحراً وانا اعاني من الزهايمر والشلل النصفي. يالك من مجنون ويالنا من مجانين لقد لف بنا السعداوي في هذه المسرحية أماكن مختلفة فمن نادي الخريجين إلى مدخل المعرض الدولي للكتاب، إلى مركز الشيخ إبراهيم إلى بوابة مجمع العالي، تبعنا السعداوي ووثقنا به رغم اني شخصياً لم أكن أستوعب ما كنت أقوم به، كان السعداوي رجل رسالة بقدر ما كان رجل تجربة لقد حاول ان يصل بسوطه إلى كل بقعة في هذه الارض، ولو هجرنا الجمهور لن نهجره. كنت دائماً أردد نفس المقولة إن الفائدة الكبرى التي تعلمتها من السعداوي كانت دائماً بعد أنتهاء العرض ببرهة، لكي تستوعب السعداوي لا بد لك ان تكون فيلسوفاً، لا زلت اقول للسعداوي دعنا نعيد الكارثة وسأؤدي الدور هذه المرة بشكل أفضل. كم كانت هذه المسرحية التي اخجلتني في مراهقتي عميقة الابعاد كيف يكون الإنسان سناً في ترس الماكينة الرأسمالية، إلا أن يطحن ويستبدل بآخر. صراع الحضارات.. هنتغتون.. موبقات، كانت كلها كلمات جديدة تعلمتها في تجربت أبني المتعصب التي أسندها إلي عبدالله السعداوي، كلمات كبيرة وصراع بين الشرق والغرب يدور بين الأبن وأبيه سائق الاجرة المهاجر الباكستاني إلى أوروبا الذي يقرر أن ينسجم مع نظامها العلماني مخلفاً عقيدته وراءه في باكستان. حوارٌ يبدو عائلياً للوهلة الأولى لكنه يتشعب ليصل إلى معركة إلغاء يدور رحاها بين تعصب الغرب وتعصب الشرق بين الدولة العلمانية المتشددة وبين الاصولية الاسلامية المُرهبة، من منا المتعصب الآن هو الحوار الأخير الذي تنتهي عليه المسرحية، والطريف في الموضوع ان السعداوي في حينها كان يميل إلى الجانب الإسلامي الأصولي، في حين كنت متحيزاً للأب العلماني على الرغم من أنني لعبت شخصية الأبن. بالرغم من كل ذلك لم أكن مقتنعاً كثيراً بتجارب السعداوي الأخيرة كنت اجد أن هذا الاسطورة الذي ذاع صيته في البحرين وشكل حالة للاختلاف والجدل، ذلك المجنون الذي كرس حياته للمسرح إلا ان نال جائزة افضل اخراج عام 1994 في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي دون ان يجد مهنئا رسمياً ينتظره في المطار لدى عودته، بدء ييأس وربما يهذي، وانتقلت تجاربه من الملحميات إلى عتمة ويأس وثرثرة، وتحول الشعر الاسود الكثيف الى شيب، والحيوية الى زهد واعتكاف. إلى أن جاءت "متروشكا"، الحقيقة انني لم اتوقع من السعداوي انتفاضة في متروشكا، ولمست شخصياً أنه بدأ يغار من اعجاب الناس الشديد بها، خصوصاً وانه اراد لها ان تكون مسرحية بسيطة بحجمها لكن ردة الفعل كانت على عكس ما توقع ربما، أن المباشرة والمعاصرة التي جاءت بها متروشكا جعلت منها عرضاً لافتاً بإمتياز وهنا تجدر الإشارة إلى أن مؤلف النص هو ذاته عبدالله السعداوي مع لمسات درامية من إبراهيم خلفان، وبالرغم من ان السعداوي يصف رؤيته الاخراجية بالبسيطة في هذا العمل، الا اني وجدت اشتغال الممثلين على المساحة التي رسمها السعداوي، وتعاملهم مع ادوات العرض البسيطة غاية في الروعة والتوظيف. ولأن متروشكا صريحة ومباشرة أيقضت فينا جميعاً أحساساً كدنا ننساه بعد ان غمرنا السعداوي بيأسه المؤقت، حتى استفاق المحارب مرة اخرى معلناً بداية جديدة. في آخر مرة سمعت فيها بأن السعداوي مقبل على التفريغ قلت له هل تعتقد انهم سيصدقوا هذه المرة، لا اعلم لماذا لكني توصلت الى قناعة بأن هناك قراراً سياسياً يحول دون تفريغ السعداوي، لأن السعداوي لم يسلك في مطلبه طريق الولاء والطاعة والتوسل، بل شاكس.. او بالاحرى شاكس من يعنيه تفريغ السعداوي عبر وسائل الاعلام والعرائض لتفريغ السعداوي، ليس مدعاة للكسل بل ايماناً منهم بأن السعداوي طاقة وطنية تستحق ان تفرغ لابداعها. شخصياً أشاطر السعداوي رأيه الاخير لن اتوسل احداً وسأنتظر ما تبقى لي من سنوات حتى اتم التقاعد، واشكر كل من طالب بتفريغي. انها ديمقراطية السوق التي انتقدتها طويلاً يا صديقي أنهم لا يريدون الحقيقة يريدونك ان تركع وتقدم فروض الولاء وهم يهبونك العطايا، لكنك شجرة مسرح راسخة فروعها صواري متمسكة بالحب والحقيقة فأبقى على عبثك الجميل، حتى تمد فينا الحقيقة. 
بقلم: خالد المطوع في الوقت الذي تبادر فيه بعض الجهات إلى تفريغ بعض «رجالات الفضيلة الإسلامية» لاقتراف أبشع الرذائل السياسية الطائفية في حق الوطن والمواطن عبر مختلف المنابرالشرعية المتاحة بالمرصاد، وفي مثل هذه اللحظة الزمنية يتصاعد نداء عميق وقوي في الطرف الآخر؛ لتفريغ المبدعين الكبار من أبناء هذا البلد الطيب المعطاء، وذلك من خلال دعمهم وإسنادهم بأبسط وسائل الدعم والإسناد وأكثرها سمواً من خلال تفريغهم ومنحهم الفضاء المؤاتي الذي يخوّل دفق إبداعهم الأصيل مزيداً من التجدد والتألق والاستمرارية عسى ألا يقايضوا رحيق الإبداع بخبز الحاجة المعيشية و ضفائر الخيال الشهي بسلالم الواقع الواقًع! من بين أولئك المبدعين الكبار الذين كانت للدعوة إلى تفريغهم ومنحهم مبتغى ذاك الفضاء الأزرق الحلمي أصداءً إقليمية كثيراً جداً وتشربته عروق وشرايين ونسغ المشهد الإبداعي المحلي والإقليمي حد الثمالة التي ترددت على مدار حقائب وزارية وتعيينات وظيفية من دون أنْ تتزحزح عن حافة الوعي. ولعلي بعد استراحة وتوقف عن الكتابة أعتذر للسعداوي عن طول تأخري في طرح هذا الموضوع وأن أعلن عن كوني أتشرف كثيراً بأنْ أعلن عن ضم صوتي إلى ذاك الصدى الهائل والعميق الداعي إلى تفريغه ومنحه الفضاء المرجوّ؛ ليواصل بتشريف وخدمة السمعة الثقافية والفنية للبحرين بأفضل وأسمى شكل ممكن، وإنْ كان صوتي أساساً معه منذ الأصداء الأولى لهذه الحملة. فإن تضم صوتك في موكب السعداوي فهو يعني أبسط الجميل وشرف لو تعلمون عظيم، فأنت تضم صوتك إلى إنسان كبير، ومثقف موسوعي، ورائد، ورمز وقامة إبداعية بحرينية مجددة لايمكن أن تختزل أو تتجاوز مهما يكن مواقفك الفنية وذائقتك الفنية تجاهها، فهو الذي ينتقل معه مسرحه كما لو أنه حقيبة أو مسبحة... ويبدأ كما قد انقطعت الجملة بغتة وخلسة دون سابق إنذار ودون وافر حلية وماكياج يجعل من الممثلين خشباً مسندة، فتقوم المسرحية ويتوزع الممثلون أو الممثل ذاته بموهبة ورشاقة عالية على محيط أكثر من شخصية وحكاية وذاكرة وحلم، ويشترك معه ربما أنت والجمهور في شكل حي ضمن سكة النص وارتجاليات الممثل، فالمكان والزمان لا يهم طالما أنّ ينبوع المسرح يحي رميم جثمانها وأشلائها ويحرك أثقالها النسبية بخفة الهواجس والأحلام! ولأعترف بأنني ومنذ الصغر لطالما كنت مجذوباً ومختلباً تجاه قامة وكاريزما السعداوي وبالأخص لحيته التي أصبحت الآن بيضاء كندف الثلج كما قال عنها وكما أعاد إحياء تلك العبارة الزميل محمد العثمان مجدداً في مقاله حول تفريغ السعداوي، فهام بي الخيال كثيراً إلى حد كنت أتخيّل السعداوي بملامحه وقسماته الفارقة كما لو أنه من بين الإغريق القدماء فما أن أقرأ لهوميروس أو هيرودوت أو سوفوكليس أو سخاليس حتى ما تتمرأى أمامي صورة السعداوي ومظهره كما لو أنه ناسك في سبحانية المسرح أو متصوف مسرحي يؤمن بقدرة المسرح على تحقيق السعادة الحقيقية والانتماء والنماء الدافيئ حينما تفني وتتمازج فيه مجمل صراعات الذوات البشرية المغتربة. وكما حكى العثمان حكاية طريفة عن لحية السعداوي والوبال والصورة السيئة التي جلبتها له عند أميي الثقافةوالفن فإنني وبالمثل عاصرت مثل هذه الحكايات البائسة على أكثر من مشهد، فمنهم من قال إن لحية السعداوي هي لحية «تكفيري» يمارس التقية المسرحية، ومنهم من قال أنها لحية أيديولوجية فهي لحية «ماركس» أو لحية «كاسترو» وآخر زعم أنها لحية شيخ أو مريد صوفي «مهرطق» لإبعاد الناس عن الاهتمام بشئونهم وقضاياهم في الدنيا والآخرة، ولكن بين مختلف الأحكام والفتاوى الظلامية التي طافت وجالت باطلاً تجاه اللحية السعداوية إلاّ أنه لم ير أي حكم جاهل ذاك الفرق الملحوظ بين لحية السعداوي التي تعشش فيها عصافير المحبّة وأفراخها، وبين لحى الإقصاء والتكفير التي تخفي باطناً بمجاهل موغلة في الحقد والكراهية وقد تستخدم نفاقا وتزلفا كحبالً للتسلّق على أبراج ومقاعد ذوي الحظوة والسلطان! وحتى لا نتوه في فوضى اللحى وننشغل بأمر لحية السعداوي الجذابة دون أمر ودعوى تفريغه وهي الأهم فإننا في النهاية لا نخفي أمر تفاؤلنا وثقتنا الكبيرة بأنْ يتم تحقق هذا الحلم البسيط في عهد الوكيل المساعد للثقافةو التراث الوطني الشيخ راشد بن عبدالرحمن آل خليفة وهو ما يشاركني به عددٌ من الزملاء ومن رفاق السعداوي المستبشرين خيراً بجهود الشيخ راشد لحلحلة تلك الأزمة، وإنْ كنت شخصياً ومن خلال الالتقاء معه قد لمست عنده همّة عالية وطموحاً كبيراً لإحياء الثقافة والتراث الوطني والنهوض به من جديد كسابق عهده ولحل الأزمات التي تؤرق المثقفين والمبدعين البحرينيين، فمتى سيتحقق ذلك الحلم؟
إشكالية الاغتراب المعاصر بقلم: عبدالحميد خنجي تمحورت حياة الإنسان في الأزمنة الحديثة في محاولاته المضنية، غير المجدية، للخروج من حالة الاستلاب والاغتراب الاجتماعيين/الاقتصاديين الذي يعانيه من جراء سرعة وتسارع نمط الحياة العصرية وضغطه المستمر على كاهله من جهة، والتركيز الشديد للأسلوب الإنتاجي النفعيّ، الذي يحوم كالأفعى حول رقبته وهو يعيش بالضرورة، في مجتمع بشري تسود فيه المنظومة الاقتصادية/الاجتماعية الرأسمالية المعاصرة من جهة أخرى. الأمر الذي بدا فيه وكأنه مصاب بحالة من الانفصام المرضيّ المزمن العصيّ على العلاج، لدرجة بات فيه أكثر تعاسة من السابق رغم منجزات العلم والترفيه المتوافرة، حيث أضحت السعادة المرجوة بعيدة المنال! بل أخذ يتوجس ويشعر أن متوسط عمره اقصر، مقارنة بالأزمنة الأقدم رغم الحقيقة العكسية. صار يحنّ إلى الماضي كحنين الكبير العاجز إلى طفولته الأولى! ومرد ذلك أن الفرد أصبح مرهوناً وسجيناً - أكثر من أي وقت مضى- لأمانيه وطموحاته الحياتية، الضرورية وغير الضرورية. هذه كانت جوهر الهواجس والأفكار التي تجسّدت في مقارعات محتوى الكتيب - غير المطبوع - الموزع سلفاً، بين المهتمين فقط، للمسرحي البحريني الكبير عبدالله السعداوي، المهموم حتى النخاع، بالدور المزدوج الاجتماعي/ الجمالي للفن وحسّه الفطري والإنساني العميق بضرورة إحقاق الحق والإنصاف لبني البشر قاطبة. تجلّت الأمور تلك في المنتدى المفتوح الذي أقامته أسرة الأدباء والكتاب في البحرين حديثاً، لمناقشة الجزء الأول من الثلاثي الذي سيصدر في المستقبل القريب. إسهامات عبدالله السعداوي هذه، المسمى 'عيون فانغا العمياء (زرقاء اليمامة)'، المستوحاة من مسرحية 'السراب' لسعدالله ونوس، تنطلق أساساً من رمزية عودة 'عبود الغاوي' (لاحظوا رمزية كلمة الغاوي) من المهجر إلى قريته على هيئة مخَلِّص، ممثلاً لرجال الأعمال الجدد للشروع لتنفيذ الخطط الاقتصادية الجديدة للغرب لتطبيقها على منطقتنا في سياق المشروعات الغربية التي نسمع عنها كثيراً! تركزت المقاربة على الآلة الجهنمية التي تطحن المواطن، المسمى 'السوق' حيث يصبح كل شيء معرضا للبيع والشراع (سوق نخاسة معاصرة) ولا يستثنى شيء حتى الآدمي نفسه وأفكاره وعوالمه الروحية والمعنوية وجهوده الفنية والإبداعية، المرتكزة على هجمة 'العولمة' الملتبسة! معرجاَ في شرحه (السعداوي) على تشخيص الاقتصادي المصري محمود عبدالفضيل، من حيث مصاحبة ذلك لتسويق نمطٍ جديدٍ لثقافةٍ استهلاكيةٍ سماها عبدالفضيل 'ثقافة الفساد'، التي تطبّل لها نخبٌ فنية وثقافية جديدة/قديمة، في خدمة أسيادها، الطبقة الرأسمالية الطفيلية المصرية الجديدة، كأنموذج بات يحتذى به في المنطقة العربية. على أن ما يهمنا في هذا الصدد مقاربة السعداوي نفسه، وتخوفه الشديد من نشر نمط الحياة الغربية الاستهلاكية الشّرهة وخصوصاً الأنموذج الأميركي ضمن هذه الهجمة على شتى مجالات حياتنا، بواسطة قاطرة 'الديمقراطية'! تبحر السعداوي قليلا في المسألة من وجهة نظره وبدا كأنه يدعو لنظرية 'العودة إلى الطبيعة'، المجلوبة من فكر 'الشَّعْبويين' الرافضين - رفضاً عبثياً - للمدنية الحديثة! ومن الجدير في هذا السياق ملاحظة أن هذا اللون من الفكر يعاد إنتاجه على الدوام، منذ أن شهر 'سيرفانتس' سيفه لمحاربة طواحين الهواء في نهايات القرون الوسطى للوقوف بوجه المد الرأسمالي الجارف القادم من شمال قارة أوروبا إلى جنوبها. كما ترفع اليوم الرجعيات 'العروبوية' و'الاسلاموية' السائدة سيوفها الخشبية 'البتّارة' لمحاربة الحداثة الغربية و'الامبريالية'. وبالطبع لا نستطيع في هذه العجالة الشروع في مقارعة نقدية شاملة للأفكار المهمة التي أوجزها 'السعداوي'، سواء فيما يتعلق بعدم تماسك منهجيته التحليليّ أو تحديده للعوامل الخمسة الضرورية لتواجد أية حضارة (الفن/الدين /العلم/المال/العمل). على أن ما يمكن الاستناد إليه كمنطلق مبدئي لحوارٍ منهجيٍّ ومتابعته من قبل بقية الأخوة المعنيّين هو ضرورة اتفاقنا على أن جوهر المسالة المطروحة كان موضوع 'الاغتراب'، الذي غاب عن الأذهان في حينه تماما. على أن محاولة شرح إشكالية مصطلح'الاغتراب' وتطوره عبر القرون تتطلب مجالٍ ووقتٍ آخرين بجانب أن إيجازه سيفقده الكثير من معانيه الجوهرية. ولكن لابد من إلقاء ضوءٍ خافتٍ وسريعٍ على ما استقرت عليها موضوعة 'الاغتراب' الإشكاليّ في الوقت الحاضر ابتداءً من فكرة الاغتراب القديمة (الوجود الفردي) وتجلياتها في العصر الحديث (الوجودية والنفسية) وانتهاء بما وصل إليه فلاسفة القرن العشرين والقرن الجاري. لعل أهمهم اليوم، على الإطلاق، الفيلسوف المَجَري المعاصر إستيفان ميجاروس (تلميذ جورج لوكاش) الذي كرّس أكثر من مؤلَّف لنظرية 'ماركس' في الاغتراب، المستندة على قمة الفكر الفلسفي الكلاسيكي الألماني وقطبيه البارزين 'هيغل' و'فيورباخ'. أولهما أن هذا التحليل ينطلق من الذات الإنسانية وكأن الاغتراب ذاتي المنشأ، بينما هو في الواقع نتيجة للعامل المادي الموضوعي للوجود. وثانيا أن هيغل يعتبر الفرد (الذات) مسؤولا عن تحرر نفسه من الاغتراب متكئاً على الإرادة الفردية. بينما ماركس يرى أن الحل موجود في العلاقات الإنتاجية للخيرات المادية، حيث أن العملية تأخذ لها مجرى تاريخياً طويلاً في خضم النضال بُغية التخلص من منظومة قهرية مسؤولة عن الاغتراب واستبداله بمنظومة إنتاجية أخرى ستكون طاردة للاغتراب. هذا التفسير الجدلي لموضوعنا الشائك 'الاغتراب' خضع لتطورات شتى على يد مختلف المدارس الحديثة، العلمية منها وشبه العلمية، متخذا أحيانا منحى فوضوياً وعدمياً على الصعيد الفلسفي، نذكر منها: اتجاهي الوجودية والتفكيكية وغيرهما. إلا أن الألمعيّ المَججَري المشار إليه، إستبفان ميجيروس استطاع تلمّس الدرب الشاق لبحث المسالة بروح الباحث النزيه، مكرساً جُلّ وقته الأكاديمي والحياتي لتوضيح هذه المسالة الإشكالية الملتبسة عند خيرة المفكرين، في أكثر من مؤلَّف لعل أهمها 'مسالة الاغتراب عند ماركس'. ومن المفيد ذكر معلومة مهمة للباحث المهتم للأمر، هو قرب إصدار كتاب 'ميجيروس' الجديد في الشهر المقبل الموسوم بـ 'التحدي التاريخي لزماننا وعبئه المثقل' (الترجمة من عندنا)، بالتعاون مع المفكر البريطاني المعاصر 'جون بيلامي فوستر'.
لعل أكثر المعاني وأقربها إلى الإقناع لمسألة 'الاغتراب' هو ما جاء على يد 'هيغل'، الذي عزاه إلى الفرق والصراع بين الفرد (الذات) والآخرين (المجتمع)، واضعاً الظاهرةَ هذه في إطاره التاريخي الصحيح، الأمر الذي وافقه 'ماركس' ضمن التحليل الهيغلي الجدلي للمسالة. لكنه نقضه، انطلاقا من مادية 'فيورباخ' (المادي الميتافيزيقي) على عكس هيغل (المثالي الموضوعي) من منطلق تأويله وتركيزه على عامل 'الوعي' الإنساني الحاسم للمسألة وذلك لسببين أساسين (حسب ماركس).
كتب: حسين عبدعلي ينزلق من راحة كفي مقبض الباب الرئيسي لشقة رقم (21) في الطابق الثالث من إحدى العمارات المتهالكة بمنطقة العدلية.. حينها، أزعق بصوتٍ ملؤه الحماس: "هلااا أستاااذ".. لا يهم إن كان متسمراً أمام شاشة التلفاز في الصالة الرئيسية لمقر مسرح الصواري، أم متدثراً -كعادته- بمجموعة كبيرة من الكتب في غرفة الإدارة، فأنا متيقنٌ أنه سيكون موجوداً في المسرح.. طبعاً يعود هذا التيقن لسببين لا ثالث لهما.. الأول أنه سمكة، والمسرح ماؤه.. والثاني لتواجد سيارته التي تشبهه كثيرا في مسألة الوقوف في مكان شبه محدد ومخصص له أمام البناية، كما هو الحال بالنسبة لأماكن تواجده داخلها.. يصفه المرحوم الدكتور عوني كرومي في إحدى رسائله بقوله: "أيها الصعلوك، المشرد، الجميل، المغامر، الصادق، المقدس، المجنون، الصابر، المتفاني، الثرثار، المتسائل، المتشكك، المشاكس، العنيد" (1).. والمعادلة تقول عندما يغيب عن التلفاز، الذي كان ما يكون يشاهد، فلن يتعدَ القنوات الإخبارية أو روتانا زمان.. محمود المليجي، شادية، أنور وجدي، فريد شوقي والقائمة تطول.. فغيابه لن يأخذه بعيدا عن طاولة الإجتماعات في غرفة الإدارة، حيث تكومت عليها مجموعة من الكتب والأوراق.. وعليه، توجهت إلى غرفة الإدارة.. لقطة مقربة (Extreme Close Up) لشفتيه وهي تنم عن ابتسامة طفولية، وهو الذي يستوحشني كثيراً بعدد الشعرات البيض الفارة من لحيته المجنونة.. وعلى الرغم من كل هذا المشيب الذي يغزو وجنتيه، إلا أنه لم يستطع أن يمحو ملامح البراءة على وجهه.. تتحركالكاميرا ببطء (Dolly out) لتتضح ملامحه شيئا فشيئا، فتظهر على الكادر صورة الأستاذ عبدالله السعداوي، فيبادر بالقول: "هلا.. حبيبي حسين.. وينك؟!".. (cut).. "ما الذي يدور في ذهنك؟!.. ما الذي تريد أن تفعله في المسرح؟!.. ما الشكوك التي تراود نفسك تجاه الوضع المسرحي؟!.. دائما ما يكون التساؤل هو الذي يعني لي شيئا، لكن الجائزة أو الفوز بشيء ما، أو حتى التكريم، كل هذا لا يؤثر فيّ.. في حين أن سؤال المسرح بحد ذاته هو صاحب التأثير الكلي عليّ، وهو سؤال لا ينتهي، ولا يمكن أن يبدأ، وكلما تقمصك هذا السؤال، تجد نفسك في منطقة ليس لها قاع" (2).. أشبه بفلاش باك (Flash back) أتذكر يوم أنتهينا من أحد عروض مسرحية "متروشكا".. حيث جلست معه، أتبادل الحديث حول العرض والعمل بشكل عام.. يجرنا الحديث حول التجربة إلى التوجه العلمي السائد في العصر الحديث الذي يوازيه عودة إلى الأشكال الأولية، وهو ما يوحي إلى استبدال الأنماط الدرامية السائدة بأنماط أخرى يعاد بنائها من المبادئ الأولى.. وذلك من خلال البحث في أسئلة جوهرية من قبيل: "ما المسرح؟.. ما المسرحية؟.. ما الممثل؟.. ما المتفرج؟.. ما العلاقة بين هؤلاء جميعا؟.. ما الشروط التي تخدم تلك العلاقة بأفضل صورة؟!" (3).. والإجابة على مثل هذه الأسئلة في أحسن الأحوال لا تقودك إلاّ إلى أسئلة أخرى لا تنتهي ولا يمكن أن تبدأ.. ومن الحديث حول الأنماط السائدة إلى مسألة الربوبية في العمل المسرح.. بدءً من استحواذ المؤلف/النص على قمة هرم العمل المسرحي، مروراً بإنتقال هذه السلطة إلى المخرج على يد أنطونين آرتو، وقوفا بظهور الممثل على ساحة تنازع الربوبية، الذي يعقبه تفرد المتفرج بها.. بالحديث عن السعداوي، وعن أعماله التي هي بشكل أو بآخر لا يمكن فصل إحداها عن الآخر، فهنا يأتي الذهاب إلى منطقة أخرى من تنازع الربوبية.. هنا يكمن كل الفعل المسرحي.. في تلاقح العلاقة بين الممثل وبين المتفرج.. هذه العلاقة المغطاة بشيء من القدسية هي مأوىى ربوبية أي عمل مسرحي.. هذه الرؤية لا تأتي وليدة ساعتها، ولا هي محض الصدفة.. بل هي نتاج 43 عاماً، "قضاها السعداوي متسكعا على أزقة شعبنا، على فرق الهواة، وشرب القهوة المرة في القرى، وجلد الممثلين بسياط التدريب الطويل الشاق" (4).. كما الكتف التي لا تؤكل هكذا.. لا يمكن الولوج إلى السعداوي من كل ما سبق كتابته وذكره.. فكما أنا مؤمن تمام الإيمان أن العرض السينمائي لا يمكن سرده لأنه مخلوق يرى بالعين لا بالأذن.. فإن السعداوي أشبه بالمسرح الذي يرفض أن يكون هناك وسائط متعددة (ملتيميديا) تساهم في عملية نقله.. أؤمن بذلك لأني أعي جيداً أن إنسانية السعداوي، وأنسنته للخطاب المسرحي لا يمكن أن يوصف بكلمات، ولو جمعت لوصفه كل حروف لغات العالم.. إن كانت هناك ثمة مطالبة بتفريغ هذه القامة المسرحية من عمله، ليصب كل اهتماماته وجهده في المنطقة الصحيحة وحيث يحب ونحب، فإن هذه المطالبة التي مرّ عليها ما لا يقل عن أربعة وزراء لا تأتي بنفعها إلاّ على هذه البلاد قبل أن تكون ذات نفع على شخص السعداوي نفسه.. نحن أبناء هذه المملكة، والمهتمين بالمسرح وبالثقافة في مملكة البحرين من يريد أن نتملئ بالحياة من خلال تفريغ الأستاذ عبدالله السعداوي.. الغريب ان ثقافتنا والتي لم ترَ (الفزعة) إلا في مهرجان ربيع الثقافة الفائت، حين تشدق فيه المتشدقون باسم الثقافة والحرية رافعين رايات الثقافة خط أحمر، لا يبدو أن حامل راية التجديد في المسرح البحريني، والحاصل على جائزة أفضل مخرج في مهرجان القاهرة التجريبي، يشكل قضية ثقافية شائكة ومقلقة لحد النخاع بالنسبة لهم، ولا تأخذ مسألة عدم تفريغ السعداوي على الرغم من شبه الإجماع بأحقيته لهذا التفريغ على أنها قضية مبدأ.. في الوقت الذي كان دفاعهم عن الربيع مبنيا على أساس الدفاع عن المبادئ الثقافية، حسب ما يدعون!!.. لكنهم رفضوا أن يمنحوه التفريغ ليعيش ونعيش.. ولم يجانب حسين مرهون الصواب حين قال في عموده في صحيفة الوقت المعنون بـ (اقتلوا عبدالله السعداوي): "هم لا يريدون قتله.. يريدون له موتا باردا".. فلو قتلوه، لأضحى شبيها بسقراط الذي كان بمثابة الذبابة التي تحاول إيقاظ الحصان الكسول وإبقاء أثينا حية.. لو قتلوه، لبات أشبه بالمسيح يحمل صليبه بين أروقة المسارح ليصلب عليها.. لو قتلوه لخلقوا حلاجا آخر.. لكنهم لا يريدون قتله.. لربما من الأفضل أن أعد مع مرهون: سنة، سنتان، ثلاث.. عشر.. وفي نهاية كل سنة نتقدم جميعا نحو النافذة، ونفتحها بهدوء.. ونطلق (في المشمش) صرخة، يهتز لها المبنى الذي يضم مسرحي الصواري وأوال. هذه الصرخة المشمشية هي التي تحدث عنها حسام في عموده بعنوان (السعداوي في زمن المشمش) كإحدى طرائق تعبير السعداوي عن امتعاضه أو استيائه من أي شيء.. الهوامش: (1) من كتاب "الزمن، النحت، السرد- قراءات في تجربة عبدالله السعداوي المسرحية" إعداد: حسام توفيق أبو اصبع.. الطبعة الأولى 2006- ص155.. (2) من مقابلة أجراها حسام أبو أصبع مع الأستاذ عبدالله السعداوي في جريدة أخبار الخليج 12 نوفمبر 1995م.. مقتبس النص من كتاب "الزمن، النحت، السرد- قراءات في تجربة عبدالله السعداوي المسرحية" إعداد: حسام توفيق أبو اصبع.. الطبعة الأولى 2006.. (3) من كتاب "المسرح الطليعي" تأليف: كريستوفر اينز.. ترجمة: سامح فكري.. (4) مقال لـ عبدالله خليفة في أخبار الخليج 16 أكتوبر 1994م. 
بقلم: حبيب حيدر ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك. ومرة أخرى نرى بطلنا عبدعلي عائدا لطبيبه محمد مبارك في دوره الثاني وقد راح هذا الطبيب يناقش عبدعلي حول تحولاته النفسية والفكرية، ويحلل ما طرأ على شخصيته من تعولم، في صيغة وصفية لا تخلو من نبرة عاتبة لتخليّه عن حماسته لفلسطين وثوريته ضد المحتلين وأمريكا، وحتى صغار المفسدين في وطنه، ومرة نراه باحثاً بين الجمهور عن أمه متخذا إحداهن أما له كاسرا حاجز التمثيل بينه وبين جمهوره فيشرع في محادثة هذه الأم المدعاة في شأن أبيه الذي لا يكف عن ضربها وتعذيبها، طالباً منها مغادرة المنزل معه وترك الأب يواجه مصيره لوحده، ومرة نراه باحثاً بين الجمهور عن عاشق الأم الذي كاد بطلنا أن ينال منه لولا التّحوّل الذي حدث لشخصيته فيعفو عنه انتصارا لمبدأ الحب في الخاتمة ولما أصبحت عليه شخصيته من تسامح وسعة أفق وتفهّم للآخر إلى حد الصفح الكريم، مرددا عبارة خلاصية كتنوير للمشهد »الإنسان انخلق علشان ايحب« وفي كل المواقف السابقة نرى البطل يقف محاورا أو ساردا بتقنيات مسرحية بالغة التأثير لمأساة هذه الأسرة مع الأب وما تعانيه من ضرب وقسوة تنصب على أمه وعلى أخته وعليه. التداخل شكل للحكاية واللعبة: تساءلت وأنا أشاهد المسرحية ما معنى المتروشكا ولماذا اختارها السعداوي عنوانا لمسرحيته وفي غمرة البحث عثرت على وصلة مقتبسة من برامج الجزيرة تعّرف بالمتروشكا وقصّتها، فلقد عرضت قناة الجزيرة مرة تقريرا عن اللعبة الروسية المتروشكا، وبعد هذا التقرير صرت أدعي أن ثمة خيطاً رفيعاً يتسع ليتصل مع متروشكا السعداوي التي نسجها من ثلاث حكايات مختلفة ومتشابكة في الآن نفسه، ولعل هذا الخيط هو نفسه الخيط الذي حبك به السعداوي بين شخوصه و»حدوثتهم« المسرحية، ففي التقرير أن أصل هذه اللعبة المتروشكا هي حكاية حب بين شاب وفتاة ريفية، رغب هذا الشاب أن يعبّر عن حبه لفتاته فصنع لها هذه الدمية ولأخوتها السبعة دمى أصغر فأصغر تتداخل في بعضها البعض، وكذلك هي حكايات السعداوي الثلاث التي دَاخل بينها وأعاد ترتيبها بشكل مشتت مفكّك فأنت مرة تشاهد حكاية أب مع ابنه في حالة صراع ومناكفة، ثم تشاهد حكاية مريض مع طبيبه يتحاوران حل العولمة والسلام وأمريكا وإسرائيل.. ثم تشاهد حكاية شاب يبحث عن أمه، ومرة عن عاشق مدعيا أن أحد الجمهور هو العاشق أو هي الأم، حتى أنك لتحس أن لا واصل بين هذه المشاهد سوى أن حكاية المريض مع الطبيب على - طريقة التحليل النفسي- في داخلها حكاية أب مع ابنه، وهذه الحكاية في داخلها كخلفية على طريقة »الباك رواندس حكاية الأم« المعشوقة والعاشق كما يرويها البطل، وفيها حكايات أصغر فأصغر، في داخلها حكاية شروع بانتقام، في داخلها حكاية عذاب، في داخلها في النهاية حكاية عفو وتسامح ومحبة، ولعل السعداوي اتخذ من شكل اللعبة المتروشكا المتداخلة في بعضها البعض تقنية وشكلا لتداخل حكاياته في هذه المسرحية. في رثاء الإنسان الحديث: وهكذا يذهب الطبيب في توصيف حالة بطلنا وتأويل مسألة موته بقوله إنك بتموت غير إنك ميت، إنت اتشكلت واتجانست، صرت تقرأ الأكاذيب الجديدة من غير ما تحرّك عندك أي شيء، من غير ما اتفكر في أي شيء صرت اتصدق العولمة وتعتقد إنك وجدت أمنك واستقرارك، ويخلص الدكتور إلى تأكيد حالة الموت بقوله إنت جثة. - ما كنت أعرف إنك تتحدث بالمجاز والاستعارة - كلنه بنموت لكن الأسوأ عندما نستسلم .... وذاكرتك اتصير ورقة بيضة. وهنا يكون البطل ملقى على الطاولة وجسمه مغطى بقماشة بيضاء بما يؤكد هذه الحالة التي أرادها الحوار وهذه الصورة التي أدارها السعداوي من خلال ممثليه مرشحا الاستعارة ومؤكدا على البياض الناصع مرة بصريا من خلال الصورة وللون المشاهد في القماشة البيضاء، ومرة سمعيا من خلال الصوت في جملة الحوار في العبارة الوصفية ذاكرة بيضاء يكتبون فيها ما يريدون. وفي نبرة رجاء يبادر حسين طبيبه: - بس أنا أحس روحي أحسن الحين. فيؤكد الدكتور رثاءه مستغلا حالة الضعف والتهاوي الذي ظهر في نبرة الرجاء: إنت مسكين كنت صوتا والحين صرت صدى صوت، كنت فعلا والحين صرت ردة فعل. ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك. مَشاهد: ( ١ ) وها هو يقف متصفّحاً الجريدة متسائلاً - قرأت الخبر؟ فيسرد حكاية ما، واختياره يعكس شخصيته، ها هو يختار ضحاياه من بين المتفرجين، يهذي كمن يحكي حكاية، ويصرخ بأحدهم محادثا أبوي .. أبوي...أبوي ـ مرة اثنتين ثلاثاً حتى أجهر صوت وأجهش نبرة في حلقه ـ ويكمل: لا يرجع إلى البيت حتى يكون قد فقد وعيه.. كلامه كله ...صراخ في صراخ في صراخ مركزاً على التصويت في الصاد والاحتكاك في الخاء في نبرة متهالكة حد الإعياء والتعب دامجا العبارة في صوت واحد حتى ينقطع نفسه: صراخ في صراخ في صراخ وهكذا هو كلما أراد أن يؤكد عمق السرد في قيامه بدور الراوي. ثم ها هو الدكتور يرتدي الياقة البيضاء وحسين يعوده في حديث أشبه بحوار الصديق لصديقه، مرة مستلقيا للكشف الطبي، ومرة محملقا في الدكتور وجها لوجه. حسين: ما أذكر يوما كنت ابصحة أكثر من اليوم.. الدكتور: وين جنونك هوسك. - كذبة كبرى ماسكة بخناق الناس. - الانتفاضة... - خارطة الطريق، مركز التجارة الدولي، البنتاكون.. - الدولة السلام ... - المظاهرات ضد أمريكا ومع الشعوب... - استوعب الواقع والعالم. - جيفارا. - الوزير. - أساس الفساد من كبار الموظفين. ويختم هذا الحوار - بعبارة كنت غبي. - المليشيات التي أفكر فيها كانت الحماقة كنت مهبول. - مهبول جميل ورائع. بحسبنا أن نرصد هنا تداعي الأفكار في الحوار كمن يقدّم لنا شخصية الشاب حسين، هذا المتعولم، وأهم التحولات الفكرية التي طرأت عليه بعد تلاشي ألقه وذهاب حماسته كما يرى الدكتور، فهذا الحوار تتداعى فيه الأفكار مشكلة الخارطة الذهنية الجديدة لبطلنا بعد إعادة إنتاج شخصية الشاب وقد تعولم وتغيّرت مفاهيمه للحياة، وقد أصبح أكثر تفهما لما حوله، ومن حوله. ( ٢ ) ثمة إحساس بأن هذا المكان غرفة حسين حيث علاقة الملابس تتخذ جانبا، بينما حسين يضم ملابسه في الحقيبة كيفما شاء ويهم بالخروج والأب ينظر إليه من الأعلى في حوار: تتداعى في العبارات التالية: - صراع الطبقات.. - اطلع منها أنت بعدك في البيضة. - تتصارع مع..من؟ »أبوك«! - اتردد فضائل النظام .. - لأنك مواطن حر .. ومرتاح. - لأنك مستشار. - الطبقة الارستقراطية - اللي إذا قال كلمة على الكل ايردد كلامه. - تعارضونه أو نعفو عنكم - تعارضونه أو نعفو عنكم نعفو عنكم لأنه تنقصكم المعرفة في هذا الحوار ثمة ما يمازج بين سلطة الأب وسلطة النظام بما يشي بالمعارضة حيث إن السلطة في أهم صيغها العربية ترجع إلى استعارة واحدة هي السلطة الأبوية فالأب حاكم والحاكم أب، وهكذا يتم استخدام السياق الأبوي للتعبير عن التسلّط السياسي، فثمة نقد للتسلط السياسي من خلال هذه الاستعارة، وثمة نقد للتسلط الأسري والأبوي من خلال الحكاية نفسها، وثمة نقد للتسلط الديني إشارة حسين لجده رجل الدين وصراع أبيه معه، وثمة نقد للتسلط الأيدلوجي من خلال الإشارة للأب وخلفيته الأيدلوجية وانقلابه على الشيوعيين بعد ارتقائه في المنصب الوظيفي، وثمة نقد للتسلط الفكري من خلال الإشارة لفكرة العولمة ومقاومتها وتقولب شخصية البطل بها. ليس ثمة شيء يعادل لذة الاكتشاف سوى فرح الكتابة وما من فرح بالكتابة سوى للذة اكتشاف تلك الشفرة التي تنتج العمل الإبداعي، فيا ترى ما هي هذه الشفرة التي عبرها تتقافز الدلالات لتصنع متروشكا السعداوي؟ تعرض مسرحية المتروشكا كما أرادها عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان لحكاية شاب مقموع وثائر سابقا، ومعولم متسامح حديثا، وقد كان بطل هذا الدور حسين عبدعلي الذي مرة نراه في صورة معارض لسلطة أبيه المترقّي في سلّمه الوظيفي، المتنكّر لمبادئه الثورية، وقد قدّم دور الأب الممثل محمد مبارك. في المسرحية الكثير مما يقال ولكني أميل الآن لأن أنهي المقالة بهذا التبريق السريع، فقد طال المقام بين الكتابة والعرض ومن أهم بقي في الذاكرة تلك الأصوات التي يقف فيها حسين مجهدا وكأنه يأكل في ذاته باذلا أقصى ما في جسده وطاقته من صوت مرة مقلدا صوت المطر وهو يتساقط على ذلك البيت الفقير متأرقا به مؤرقا سامعيه فإذا كان المطر خصبا وفرحا للبعض فإنه للفقير فضيحة ومأساة ويكاد صوت كل قطرة يصب وقعه كمصيبة في صدر الفقير تماما كما تمثّلها حسين بصوته، أما الصوت الآخر الذي يجعلك تقف بين الإعجاب بهذا الممثل وبين التماهي مع هذا السرد المصوت فهو تمثيله صوت البعوض واليد التي تلاحقه في الهواء وصوت الضرب المبرح وصوت التهاوي والسقوط النفسي الذي يصدمك كثيرا ويحملك على التعاطف معه حد الإعجاب. ولعل الأمر الآخر الذي به تكون المسرحية إضافة على مستوى التجريب هو حجم الجرأة التي اقترفها السعداوي في كسر الحاجز التمثيلي بين الممثل وجمهوره، ففي حالة بحث البطل بين الجمهور عن ممثلين يشاركونه في المسرحية لم يعد الجمهور مجرد مشاهد ليس له أي دخل في الحكاية، كمن يتلصص ويهرب بعيدا بل أصبح الجمهور متورطا في المشهد، إلى الحد الذي جعل بطلنا يختص أحدهم بالحكاية ويقف أمامه محملقا في عينيه ملقيا بأسئلته في شكل صرخات لا مفر منها، وليس أمام المشاهد في تلك اللحظة الحرجة سوى أن يلوذ أن بالصمت فلا يدري أيجيب على أسئلة الممثل أم يتجاهلها أيسكت أم يتحدث أم ماذا يفعل، فما هذه الورطة غير المحسوبة، فهو قد حضر مشاهدا وليس ممثلا، ولعل من الطريف الإشارة إلى ردود الفعل التي حدثت جرّاء ذلك المستوى من كسر حاجز الإيهام وتبديد البعد الرابع فقد هم أحدهم بالضحك والهروب كردة فعل، أما الآخر فقد اغرورقت عيونه بالدموع من شدة التّأثر وكاد أن يشارك البطل في مناحته، أما أطرف ردة فعل فتك المشاهدة التي ادعى حسين أنها أمه وطلب منها مغادرة المنزل معه، وترك الأب القاسي يواجه مصيره مكررا جملة يترجاها فيها »أقول لك قومي، أقول لك قومي« فقد تراوحت ردة فعلها بين التّأثر الشديد حد البكاء وبين تصفح الوجوه باحثة عن السعداوي المخرج متسائلة هل أقوم معه؟ هل أبقى مكاني كمشاهدة أم أستجيب لندائه، وكأنها تقول ما الذي عليّ فعله يا ترى، هل أكون أماً أم أبقى مشاهدة صماء، ماذا أفعل ياربي؟ وهنا لم يتملك الجمهور نفسه من التصفيق لتلقائيتها في المواجهة واللواذ بالجمهور أو المخرج وكم حصد الممثل من الإعجاب بقدرته على انتزاع شهادة بخلق ممثلين آخرين تصنعهم تلقائية اللحظة وطزاجة الحركة مملثين يشاركونه صناعة المسرح.
ولعل الخيط الآخر هو خيط التعولم المحموم فهذه اللعبة الروسية المترشكا كما يروي التقرير قد أتت عليها موضة التعولم فراحت المخيلة تصنع منها دمية كبيرة في شكل بوش في داخلها دمية أصغر على هيئة بوتين، في داخلها دمية أصغر على هيئة بلير، وهكذا حتى أصغر رئيس خاضع لفيروس العولمة، وكذلك هو بطل السعداوي ذو الحكايات المتداخلة عبر المشاهد التي عرضها السعداوي متنقلا من حكاية إلى أخرى، ففي مشهد الطبيب مع المريض يقف الطبيب محللا داء بطلنا المشدوه بأنه مصاب بداء التعولم، فقد نسي ماضيه، نسي قضاياه تبعثر قلقه، وتلاشت حماسته، وتاه في حضارة غيره، بَهَرَته الصورة، أخذته الشعارات الحديثة، وإن كان ثمة من فرق بين تعولم الدمية وتعولم بطلنا »حسين عبدعلي« ففرق في الجوهر فتك الدُمية حينما تعولمت أخذت طابعا نقدياً، أما صاحبنا فقد تاه وذاب في الآخر القادم وضيّع البوصلة وهنا يأتي السعداوي ليحمل عبر شخصية الطبيب شحنة نقدية جهورة شفافة ليوصّف أدواء هذه الحالة الشرقية من هجران الذات والتوهان والارتهان للآخر في صيغة مجازية على رغم حماسة الطبيب وشدة نقده »أنا لم أقل أنك بتموت، أنا قلت أنك ميت فعلا، ميت - فيرد عليه بطلنا - أنا ما دريت إنك تتحدث بالمجاز يا دكتور« لعل حكاية هذا البطل بكل بساطة أنه استجاب لفيروس التّعولم ولفيروس السوق الذي بكل بساطة يتم فيه إعادة تصنيع الإنسان وجعله صفحة بيضاء تماما متقبلة كل ما يكتب فيها، والذي بكل بساطة أيضا يتم تفريغه وإعادة برمجته ثم شحنه من جديد بما يقدمه نسخة جديدة مستجيبة لمتطلبات السوق الاستهلاكية.
ها هو الشاب ينظم ملابسه بينما الممثل الثاني يستقر على الطاولة وقد تحلّق الجمهور حولهما في دائرة مفتوحة والعزف يتردد ترن ترن تررن أعمق أعمق ثم يعود خالقا نوعاً من القلق من السطح إلى العمق، ومن العمق إلى السطح، وفجاة يتسارع الإيقاع تماما كما هو وقع المشهد بين الأب وابنه، ولقد استطاع النقر على أوتار العود وشيء من دندنة العازف فيصل الكوهجي التأكيد على الإيقاع في كل مشهد بحسب الحالة النفسية التي تتصاعد مرة وتتراخى مرة أخرى لتسمح للمشهد بالراحة بعد الشد الذي يصنعه حسين عبدعلي وهو يحاور أو وهو يروي كمن يأكل في نفسه.
يحتد الصراع أكثر:
- لما أعطيك الفرصة حق تصرخ ساعتها قول جب.
واقفا على الطاولة مرددا عبارة:
بقلم:عبدالله السعداوي خلخلت الرواية الحديثة منذ مطلع القرن العشرين الأنظمة التقليدية للسرد مما فتح الآفاق على انجازات تيار الوعي لدى جويس وبروست وروب غرييهوفرجينا وولف ونتالي ساروت، حيث نقضت تلك الانظمة السردية التقليدية وحلت العلاقات السرية بين الحوادث والشخصيات محل العلاقات السببية والمنطقية وبدأت الرواية تبتدع ضروباً كثيرة من العلاقات السردية بين العناصر الفنية، بل ظهرت بنظرية ضد الرواية وتوارى ذلك المفهوم الذي أرساه ‘’اميل زولا’’. وخلخل التشكيليون المستقبليون مفهوم الفن التشكيلي وخلخل مسرح العبث تقاليد المسرح كتابة وإخراجا كذلك خلخل انطونيوني تقاليد السرد السينمائي. العزلة والقلق استقبل الجمهور فيلم ‘’المغامرة’’ للمخرج انطونيوني بالصفير والاستهجان أثناء عرضه في مهرجان ‘’كان’’. رغم انه طورلغة السينما الحديثة وأدخل الفيلم ضمن الأعمال العظيمة في تاريخ السينما مخلخلاً ومحطماً الحبكة التقليدية التي اعتاد الجمهور عليها، فالبطلة تختفي من بداية الفيلم، ليعرض ويؤكد الحياة العقيمة للأفراد الفارغين مصوراً الرتابة التي تبتلع الشخصيات، ومركزاً على لحظات الصمت الطويلة المتكررة، كما يحدث في الواقع، من خلال استشفافه لدلالات عدة تقود إلى انعدام الاتصال بين الأفراد والاستخدام الخارج عن المألوف للإثارة الجنسية من اجل تلطيف العزلة أو القلق، القيم البرجوازية المنهارة، ضجر ولا مبالاة الأثرياء المكان والديكور والتكوين والبيئة عناصر أساسية ومتممة للفعل الأخلاقي، الإدراك المعاصر للتفسخ كلها تتخلل هذا الفيلم (المغامرة) العمل المهم في السينما الحديثة متجاوزاً تبسيطات الواقعية، لكنه لم يكف عن الاهتمام والقلق بشأن الوضع الإنساني رغم ان الغموض والمجاز والتعقيد يغمرنا مما يجعل انطونيوني من ضمن قائمة السينما التدميرية لدى ‘’1 فوغل’’ الكتاب الذي ترجمه أمين صالح. مساهمة فعالة لأنطونيوني مساهمة فعالة في حركة الواقعية الجديدة في الأربعينات ناقداً، وكاتب سيناريو ومخرج أفلام تسجيلية. لفيلمه ‘’الانفجار’’ أو‘’تكبير صورة’’ أهميته خصوصاً في أي محاولة للتعريف بمعنى الحداثة السينمائية، وإذاكان ‘’روبر توروسليني’’ الذي يعد النقاد من الذين ساروا في الدرب نفسه في فيلم‘’رحلة إلى ايطاليا’’ التي كانت الإرهاصات الأولى، حيث كانت بنية الفيلم قائمة على رحلة مع العرض ‘’الصراع’’ الذي يدور داخل النفس البشرية عبر التفاعل بين الإنسان ومناظر الطبيعية، في محاولة ربط بطرق جديدة بين الشيء محل المشاهدة والعين التي تشاهده والتي لها صلة ببعض أفلام السرد الروائي كفيلم ‘’الهند’’ لروسليني العام1958 أو ‘’وصف الكفاح’’ 1960 لكرس ماركر وكذلك طريقة تقطيع السرد السينمائية وتحريك مجموعة من الشخصيات في حيز ضيق من المكان كما نراه في فيلم ‘’الصديقات’’ لأنطونيوني.1955 ومثلما تتأصل جذور انطونيوني في الواقعية الجديدة، تتأصل ايضاً في شكل آخر من أشكال السينما يعنى بشخصيات ذات وضع اجتماعي محدد وفي هذا الشكل السينمائي توضع الشخصيات مع الملاحظة وهي في ظروف الحرب وما يتخللها من عنف وفي ظروف ما بعد الحرب مباشرة، وكانت الملاحظات التي تتناول هذه الشخصيات تجرى من الخارج، أي من خلال علاقاتها الشخصية والاقتصادية كما طرحها النقاد، فالواقعية الجديدة كانت تقيم جمالياتها على أساس إعادة بناء الحياة مستخدمة في ذلك كل ما لدى سينما الاحتراف التقليدية من معدات، كما يمكن ان نراها في عمل ‘’شيزاري زفاتيني’’ في اعداد سيناريو‘’امبرتو’’ وأعمال ‘’فيتوريودي سيكا’’ مع الممثلين الهواة لذا جاء فيلم ‘’امبرتو’’ على منوال أفلام هوليود من حيث البنية المعدة سلفاً ومن حيث التمثيل وإن اختلف في الاسلوب. أما اعمال انطونيوني المبكرة، فقد كانت تحمل طابع التشاؤم كما كانت أفلام الواقعية في الأربعينات، فالحبكة في هذه الأفلام دائرية البنية تعود الشخصيات إلى نقطة البداية، بعد أن تتعرض إلى إغراء زائل وخاوٍ كوسيلة لاختبار الحرية كما في فيلم ‘’قصة حب’’ ,1950 حيث تكون حادثة الوفاة وقعت منذ سبع سنوات سبباً في احياءعلاقة بين اثنين كانا ذات يوم حبيبين، لكن هذه العلاقة لا تؤدي في نهاية الامر إلاإلى وقوع مصيبة تنجم عنها الإصابة بالشلل. في فيلم الصديقات لا تنجح ‘’روزيتا’’ في محاولة الانتحار لا تبرهن إلا العودة للمحاولة مرة أخرى. في فيلم ‘’الصرخة’’ 1957 يقوم البطل برحلته الطويلة، لكن تلك الرحلة تعود به إلى مشهد البداية، حيث السعادة المفقودة لينتهي الى الموت. استعادة الموقف النيتشوى إذا كان الفعل يعوم داخل الموقف أكثر مما ينجزه كما هو لدى ‘’فيسكونتي’’ في رؤيته المعقمة للإنسان والطبيعة لتوحدهما المحسوس والجسدي أكثر مما يتعلق بالصراع ضد الطبيعة او فيما بين البشر انفسهم في نبع جمالي فني فإن فن انطونيوني يسير في منحنيين استثمار مدهش للأزمنة الميتة التي تستغرقها اليوميات المبتذلة والتعامل مع المواقف الحدية، حيث تدفع هذه المواقف لتمثيل مشاهد فاقدة للملامح الإنسانية، وفضاءات خاوية تمتص الشخصيات وأفعالها فلا تحتفظ فيما سوى بوصف جيوفيزيائي، بجرد إحصائي. انطونيوني حسب جيل دولوز اقرب إلى نيتشه منه إلى ماركس، فهو المخرج المؤلف الوحيد الذي استعاد المشروع النيتشوى في نقد حقيقي للأخلاق بمنهجية (السيميتو ما تولوجي) الباحث في الأعراض المرضية. في فيلم المغامرة توجد لقطة عامة طويلة لجماعة من الناس يبحثون عن سيدة مفقودة فوق جزيرة، وهذه اللقطة أطول بكثير من سائر اللقطات المأخوذة من أوضاع الكاميرا، فهي تعرض وبتركيز شديد صورة محكمة للإحباط الجماعي، وعزلة الباحثين، الجميع يبدون من ظهورهم والجميع يتجهون اتجاهات مختلفة إلى حد ما وهم يشخصون عبر منطقة الجزيرة بحثاً عن إشارة ترشدهم إالى المرأة، ومرة أخرى يستحوذ طول هذه اللقطة بالنسبة إلى قصر غيرها من اللقطات على انتباه المتفرج، وحينما يكون تسارع اللقطات العامة والمتوسطة والقريبة متساوي الطول تقريباً، فمن الطبيعي ان ينظر لمحتوى هذه اللقطات على انه بالأهمية نفسها والأشياء الأخرى المتساوية كافة. رغم أن التصوير في موقع خارجي يضفي مصداقية على المنظور المصور إلا انه مع ذلك يقتضي تناولها بالتغيير للحصول على الضوء اللازم. أو إظهارها من صور أكثر واقعية أو جاذبية مما يفرض وضع عواكس ضوئية لكي تغير من الضوء المتاح بديكور طبيعي، كذلك يتم تلوين وتغيير ألوان الأشياءبقصد إضافة مؤثرات معينة، وهذا ما نراه لدى انطونيوني في فيلم ‘’تكبير صورة’’ 1967الذي جرى تصويره في متنزه وقعت فيه جريمة قتل كانت حشائش المتنزه يانعة الخضرة،فضاعف اخضرارها بالطلاء ليؤكد التناقض بين المنظر وبشاعة الجريمة التي حدثت فيه. فإذا كانت الأجسام في فيلم معركة الجزائر لا تظهر أي جسم ابيض جلياً بشكل كلي، فإن في فيلم ‘’تكبير صورة’’ تكون مزركشة بالألوان الحمراء، والخضراء، والزرقاء من خلال استخدام الضوء منفصلاً عن اللون، فالجسم المضاء بنور ساطع سوف يبرز للعيان في تناسب مباشر على عتمة الإضاءة التكميلية. فكلما اقتربت شدة الضوء التكميلي من شدة الضوءالأساسي قل وضوح الجسم. وهكذا يتطلب تقدير الضوء في المقام الأول تحليلاً للعلاقةبين الضوأين الأساسي والتكميلي. في ثلاثية انطونيوني المكونة من ‘’المغامرة’’ 1960و’’الليل’’ 1961 و’’الكسوف’’ 1962 بدأ يختفي العنف الجسدي ويبقى الشك وعدم اليقين، وأخذت تتلاشى عناصر التوتر أو الميلودارما مثل عملية البحث عن الفتاة المفقودة آنا في فيلم المغامرة، وبالنسبة الى فيلم الصرخة ممكن ان تعزو مشكلات ‘’الدو’’ الىالفقر من ناحية وإلى عدم قدرته على الإفصاح عن نفسه من ناحية أخرى. المشكلات الاجتماعية هنا تتوارى في الخلف، ويصبح الاهتمام منصباً على استبار الباطن أو الكشف عن خفايا النفس، رغم ان انطونيوني يرفض كشف أي نوع من الإيضاح والشرح من تحليله للعواطف. ففيلم ‘’الكسوف’’ لا ينتهي بمشهد تجريدي يستغرق عرض سبع دقائق قوامه صورعدة غير مترابطة في الظاهر، وهو مشهد يعبر عن الألم والوحشة من دون كلمة أو عبارة








